تركيا تُغلق الأبواب.. فلماذا يواصل السوريون طرقها؟
بين حملات الترحيل ومخاطر الحدود.. السوري الذي يبحث عن عمل لا يجد في بلاده ما يكفيه للبقاء
تبدو المفارقة السورية في أوضح صورها عند الحدود مع تركيا؛ ففي الوقت الذي تتحدث فيه تقارير متزايدة عن تشديد الإجراءات بحق السوريين، وتكثيف عمليات ضبط الهجرة غير النظامية والعودة والترحيل، لا يزال سوريون آخرون يسلكون الطرق ذاتها بالاتجاه المعاكس، مدفوعين بحاجتهم إلى العمل وتأمين لقمة العيش.
تركيا التي تستضيف أكثر من مليوني سوري ضمن نظام الحماية المؤقتة، باتت في السنوات الأخيرة أمام سياسة أكثر تشدداً تجاه ملف اللاجئين والهجرة، فيما تتراجع أعداد السوريين المسجلين تدريجياً مع استمرار العودة إلى سوريا. وتشير بيانات وتقارير حديثة إلى أن عدد السوريين المسجلين تحت الحماية المؤقتة يدور حالياً حول 2.2 مليون شخص.
لكن خلف الأرقام الرسمية توجد قصة أخرى لا تظهر بسهولة في الجداول والإحصاءات: سوريون يغادرون سوريا باتجاه تركيا رغم معرفتهم بالمخاطر، وسوريون آخرون يعودون منها تحت ضغط الظروف أو ضمن برامج العودة، بينما يبقى السؤال الأساسي معلقاً: لماذا لا تزال سوريا تدفع أبناءها إلى الهجرة؟
بلد يُفترض أن يعود إليه أبناؤه.. لكنه لا يزال يدفعهم للخروج
بعد التغيرات السياسية الكبرى التي شهدتها سوريا، ارتفعت الآمال بأن تبدأ مرحلة جديدة تعيد السوريين إلى بلادهم، وتوفر لهم الأمن وفرص العمل والحياة الطبيعية. لكن الواقع الاقتصادي ما زال أقسى من الخطابات السياسية.
فالشاب السوري الذي لا يجد وظيفة مستقرة، ولا يستطيع تأمين إيجار المنزل أو تكاليف الزواج أو إعالة أسرته، ينظر إلى تركيا بوصفها سوق عمل قريبة، حتى لو كانت الرحلة إليها محفوفة بالمخاطر.
وهنا تظهر المشكلة الحقيقية: الهجرة ليست دائماً خياراً سياسياً أو رغبة في مغادرة الوطن، بل قد تكون في كثير من الأحيان قراراً اقتصادياً اضطرارياً.
فحين يصبح أجر يوم أو يومين من العمل في الخارج مساوياً لما يمكن أن يحصل عليه العامل السوري خلال فترة أطول داخل بلاده، يصبح الحديث عن منع الهجرة أشبه بمحاولة معالجة النتيجة بدلاً من معالجة السبب.
الترحيل لا يلغي الحاجة إلى العمل
تتحدث تركيا بشكل رسمي عن مكافحة الهجرة غير النظامية، وتنفذ إجراءات لضبط الحدود وملاحقة شبكات تهريب البشر، كما تعلن في الوقت نفسه عن برامج للعودة الطوعية والآمنة والكريمة والمنظمة للسوريين.
لكن المشكلة أن إعادة شخص إلى سوريا لا تعني بالضرورة انتهاء الأسباب التي دفعته إلى مغادرتها.
قد يُعاد الشاب عبر الحدود، لكنه سيجد نفسه أمام السؤال ذاته: أين سيعمل؟ كيف سيؤمن دخله؟ ماذا سيفعل إذا كانت عائلته تحتاج إلى المال يومياً؟
وهنا تتحول قضية الترحيل من ملف أمني إلى قضية اقتصادية وإنسانية في آن واحد.
فالحدود يمكن أن تمنع العبور، لكنها لا تستطيع أن تمنع الحاجة.
المفارقة الكبرى: السوري بين بابين مغلقين
السوري اليوم يقف أمام مفارقة قاسية؛ تركيا تضيق مساحة الإقامة والعمل بالنسبة إلى بعض الفئات وتكثف إجراءات ضبط الهجرة، بينما سوريا لم تنجح بعد في خلق سوق عمل قادرة على استيعاب أعداد كبيرة من الشباب.
وبين البابين يقف المواطن.
إذا بقي في سوريا، يواجه ارتفاع الأسعار وضعف القدرة الشرائية وقلة فرص العمل. وإذا قرر المغادرة، يواجه مخاطر التهريب والابتزاز والاستغلال وربما التوقيف أو الترحيل.
وهذا يعني أن معالجة الهجرة لا يمكن أن تبدأ من الحدود فقط، بل يجب أن تبدأ من الاقتصاد السوري نفسه.
من المسؤول عن استمرار النزيف؟
السؤال الذي ينبغي أن يطرح داخل سوريا ليس فقط: لماذا يذهب السوريون إلى تركيا؟
بل: لماذا لا يجد هؤلاء الشباب سبباً كافياً للبقاء؟
لماذا يصبح العمل في بلد آخر، حتى مع كل مخاطره، أكثر جاذبية من البقاء في الوطن؟
ولماذا يستطيع شاب أن يتحمل دفع مبالغ للمهربين، والمشي لمسافات طويلة، ومواجهة مخاطر الحدود، فقط من أجل الوصول إلى فرصة عمل؟
الإجابة المؤلمة أن الهجرة في هذه الحالة تصبح مؤشراً على فشل اقتصادي واجتماعي، وليس مجرد مشكلة أمنية.
ومن الخطأ اختزال السوري المهاجر في صورة «مخالف» أو «متسلل»، لأن خلف كل رحلة قد تكون أسرة تنتظر المال، أو شاباً لم يجد وظيفة، أو أباً عاجزاً عن تأمين احتياجات أطفاله.
لا أرقام دقيقة للداخلين.. لكن الظاهرة لا تحتاج إلى إنكار
لا تتوفر بيانات موثوقة تسمح بتحديد عدد السوريين الذين يدخلون تركيا يومياً بصورة غير نظامية، ولذلك فإن الحديث عن «آلاف» أو «ملايين» من العابرين دون مصدر رسمي أو بحث ميداني دقيق يبقى تقديراً لا يمكن البناء عليه صحفياً.
لكن غياب الرقم لا يعني غياب الظاهرة.
فاستمرار محاولات العبور غير النظامي، بالتزامن مع تشديد الرقابة الحدودية، يكشف أن هناك طلباً مستمراً على الهجرة والعمل خارج سوريا، وأن الإجراءات الأمنية وحدها لا تستطيع إنهاء هذا الدافع.
سوريا بحاجة إلى أن تجعل البقاء ممكناً
المطلوب ليس الدفاع عن الهجرة غير النظامية، ولا التقليل من حق تركيا في إدارة حدودها وقوانينها، وإنما النظر إلى المشكلة من جذورها.
فإذا أرادت سوريا أن يعود أبناؤها، فعليها أولاً أن تجعل العودة والبقاء خياراً ممكناً، لا مجرد شعار.
الشاب السوري لا يحتاج فقط إلى دعوته للعودة، بل يحتاج إلى وظيفة، ودخل مقبول، وأمان، وخدمات، وسكن، ومستقبل يستطيع أن يخطط له.
أما أن يُطلب منه العودة إلى بلد لا يجد فيه فرصة عمل، ثم يُلام عندما يحاول البحث عن مصدر رزق خارج الحدود، فذلك يعني أننا نعالج الهجرة من نهايتها لا من بدايتها.
السوريون لا يهربون دائماً من وطنهم.. كثير منهم يهربون من العجز عن الحياة فيه.
وهذه هي الحقيقة التي يجب أن تُناقش قبل الحديث عن أعداد المرحّلين والعائدين، وقبل تشديد الحدود، وقبل اتهام الشباب بالمجازفة.
فالسؤال الأهم ليس: كم سورياً دخل تركيا؟
بل: كم سورياً كان سيبقى في سوريا لو وجد فيها عملاً وحياةً ومستقبلاً؟