لكل السوريين

من يتحكم بمنسوب الفرات؟ ولماذا لا تُضبط المياه قبل أن تصل إلى الرقة ودير الزور؟

رفع تصريف سد كديران إلى 1200 متر مكعب في الثانية يفتح أسئلة أكبر من مجرد التحذير من ارتفاع المنسوب

لم يعد ارتفاع منسوب نهر الفرات في الرقة ودير الزور مجرد ظاهرة مائية عابرة، بعدما تحولت الزيادة المتكررة في كميات المياه الممررة عبر سد كديران إلى مصدر قلق للسكان والمزارعين وأصحاب المنشآت القريبة من مجرى النهر. ومع إعلان وزارة الطاقة رفع التصريف من 1000 إلى 1100 متر مكعب في الثانية اعتباراً من اليوم الثلاثاء، ثم إلى 1200 متر مكعب في الثانية بعد أسبوع، تتجدد أسئلة لا تجد حتى الآن إجابات تفصيلية أمام الرأي العام: من يتحكم فعلياً بكميات المياه الداخلة إلى سوريا؟ ولماذا لا يجري ضبط الجريان قبل وصوله إلى المناطق المأهولة؟ وهل تمتلك السدود السورية هامشاً كافياً لاستيعاب الزيادات أم أن خيارات التشغيل أصبحت محدودة؟

وزارة الطاقة قالت إن سبب الزيادة هو استمرار ارتفاع كميات المياه الواردة عبر نهر الفرات من الجانب التركي، وإن رفع التصريف يجري بصورة «تدريجية ومدروسة» استناداً إلى المعطيات المائية والتشغيلية ومراقبة مناسيب البحيرات ومجرى النهر. ومن المقرر أن يستمر تمرير 1200 متر مكعب في الثانية حتى منتصف تشرين الأول، مع إعادة تقييم الوضع وفق تطورات الوارد والمناسيب والمعطيات الفنية.

لكن هذه الرواية الرسمية، رغم أهميتها، لا تجيب بالكامل عن السؤال الذي يطرحه السكان: إذا كانت الجهات الفنية تراقب الواردات والمناسيب على مدار الساعة، فلماذا لا يكون هناك ضبط أكثر صرامة للجريان قبل أن يتحول ارتفاع المياه إلى تهديد محتمل للضفاف والجسور والأراضي الزراعية؟

تركيا في أعلى النهر.. وسوريا أمام معادلة صعبة

جزء أساسي من المشكلة يبدأ خارج الحدود السورية. فالفرات نهر عابر للحدود، وأي تغيير كبير في كميات المياه الداخلة من تركيا ينعكس مباشرة على قدرة المؤسسات السورية على إدارة المنسوب. وفي أيار الماضي، تحدثت مؤسسة سد الفرات عن وصول الواردات المائية من الجانب التركي إلى مستويات مرتفعة جداً، في وقت تجاوز فيه مخزون بحيرات الفرات 97 بالمئة، ما دفع إلى زيادة كميات المياه الممررة عبر سد كديران لتجنب ارتفاعات أكثر مفاجأة في المنسوب.

وهنا تكمن المفارقة: السد الذي يفترض أن يكون أداة للسيطرة على المياه يمكن أن يتحول، عندما تقترب البحيرة من طاقتها التخزينية أو ترتفع الواردات بصورة كبيرة، إلى أداة لتصريف المياه باتجاه المناطق الواقعة أسفل السد. أي أن السؤال لا يتعلق فقط بكمية المياه التي تصل إلى سوريا، وإنما أيضاً بقدرة منظومة السدود على تخزينها وتنظيمها قبل أن تصبح عملية التمرير ضرورة تشغيلية.

وقد شهدت سوريا خلال أيار الماضي مثالاً واضحاً على حجم المشكلة، عندما أشارت مؤسسة سد الفرات إلى وصول مخزون البحيرات إلى أكثر من 97 بالمئة، بينما تحدثت تقارير رسمية عن تدفقات تركية مرتفعة جداً، الأمر الذي استدعى فتح بوابات المفيض واتخاذ إجراءات احترازية.

لماذا لا يتم «حبس» المياه ببساطة؟

قد يبدو الحل بسيطاً بالنسبة للمواطن: إذا كان ارتفاع المنسوب خطراً، فلماذا لا تحتجز السدود المياه وتمنع مرورها؟

لكن إدارة السدود ليست بهذه البساطة. فالسدود لا تستطيع تخزين المياه إلى ما لا نهاية، كما أن إبقاء البحيرات عند مستويات مرتفعة جداً يقلل الهامش المتاح لاستقبال أي موجة جديدة من الواردات. ولذلك قد يصبح التصريف التدريجي إجراءً وقائياً بحد ذاته، لتجنب ارتفاع مفاجئ أو غير مسيطر عليه في البحيرة.

وهذا ما يفسر جزئياً انتقال التمرير خلال أشهر من نحو 500 متر مكعب في الثانية إلى 800، ثم إلى 1000، وصولاً إلى 1100 متر مكعب في الثانية حالياً، مع إعلان رفعه إلى 1200 متر مكعب في الثانية.

لكن التفسير الفني لا يلغي المسؤولية الإدارية. فكل زيادة في التصريف تعني ارتفاعاً في سرعة الجريان والمنسوب في المناطق الواقعة أسفل السد، ولذلك فإن إدارة المياه لا يجب أن تقتصر على إصدار تحذير للسكان بعد اتخاذ القرار، بل يفترض أن تترافق مع نشر بيانات واضحة حول حجم الوارد، ومستويات البحيرات، والطاقة التخزينية المتبقية، والسيناريوهات المحتملة خلال الأيام والأسابيع المقبلة.

195 سنتيمتراً.. ثم 220!

وتزداد المخاوف مع التقديرات الصادرة عن لجنة الاستجابة الطارئة في دير الزور، والتي أشارت إلى أن أثر رفع التصريف إلى 1100 متر مكعب في الثانية سيظهر في مدينة دير الزور اعتباراً من الخميس 17 أيلول، مع ارتفاع شاقولي تراكمي مقداره نحو 195 سنتيمتراً، قبل أن تبدأ موجة ثانية برفع التدفق إلى 1200 متر مكعب في الثانية، مع توقع ارتفاع شاقولي تراكمي يصل إلى 220 سنتيمتراً.

وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: إذا كانت الجهات المعنية تعرف مسبقاً حجم الارتفاع المتوقع، فلماذا لا تُنشر خريطة واضحة للمناطق التي قد تتأثر؟ وأين هي خطة حماية الأراضي الزراعية والمنشآت والجسور المؤقتة والمضخات ومنازل السكان الواقعة ضمن حرم النهر؟

فالتحذير من الاقتراب من النهر أو السباحة فيه ضروري، لكنه لا يكفي وحده إذا كان الخطر المحتمل يتعلق بارتفاع المنسوب ووصول المياه إلى مناطق مأهولة أو زراعية.

من يتلاعب بالمنسوب؟

حتى الآن، لا توجد معطيات موثوقة تثبت وجود تلاعب متعمد بالمنسوب من جهة سورية أو وجود قرار سري لرفع المياه على حساب السكان. لذلك فإن إطلاق اتهام مباشر بالتلاعب سيكون سابقاً لأوانه.

لكن هناك فرقاً بين «التلاعب» وبين سوء إدارة المياه أو ضعف الشفافية في إدارتها.

المسؤولية موزعة بين عوامل عدة: كميات المياه التي تصل من الجانب التركي، الظروف المطرية والمائية، مستوى التخزين في البحيرات السورية، وآلية تشغيل السدود، وقدرة الجهات المعنية على التنبؤ بالواردات والتعامل معها. وفي أيار الماضي، كانت زيادة الواردات وامتلاء البحيرات من أبرز الأسباب المعلنة لرفع التصريف.

لكن المواطن في الرقة ودير الزور لا يحتاج فقط إلى معرفة أن المياه «قادمة من تركيا». هو يحتاج إلى معرفة كمية المياه الداخلة فعلياً، وكمية المياه التي يجري تمريرها، وكمية المياه التي تستطيع السدود تخزينها، ولماذا اختير هذا الرقم تحديداً وليس رقماً أقل أو أعلى، وما هامش الأمان المتبقي أمام أي زيادة جديدة.

الفرات يحتاج إلى إدارة لا إلى بيانات تحذيرية فقط

الفرات ليس مجرد مجرى مائي يمر في محافظتين سوريتين؛ إنه مصدر للشرب والري والزراعة والطاقة وحياة مئات آلاف السكان. وأي خلل في إدارته لا ينعكس فقط على مستوى المياه، بل على الاقتصاد المحلي والأمن الغذائي والسلامة العامة.

لذلك فإن المطلوب اليوم ليس إثارة الهلع، ولا توجيه اتهامات بلا أدلة، وإنما فتح ملف إدارة نهر الفرات بشفافية كاملة. فمع وصول التمرير إلى 1200 متر مكعب في الثانية، ومع التوقعات بارتفاع ملموس في المنسوب، تصبح الحاجة أكبر إلى بيانات يومية معلنة، وخرائط للمناطق المنخفضة، وخطط إخلاء واضحة، وحماية للجسور والمنشآت الزراعية، وتنسيق فعلي بين الجهات الفنية والطوارئ والإدارات المحلية.

ويبقى السؤال الأكبر الذي ينتظر إجابة رسمية واضحة: إذا كانت الزيادة في مياه الفرات معروفة ومراقبة، فلماذا لا نملك حتى الآن منظومة أكثر فاعلية لضبط الجريان وحماية السكان قبل أن يصل الماء إلى أبوابهم؟

فالفرات قد يكون نهراً عابراً للحدود، لكن إدارة مخاطره داخل الأراضي السورية مسؤولية لا يمكن أن تبقى معلقة بين منسوب يرتفع، وسد يفتح بواباته، ومواطن يُطلب منه فقط أن يبتعد عن النهر.

- Advertisement -

- Advertisement -