لكل السوريين

خطة حذف الأصفار من الليرة السورية بين جدوى الإصلاح وشكوك المواطنين

الحسكة/ مجد محمد

لطالما شكلت العملة الوطنية مرآةً حقيقية للوضع الاقتصادي لأي دولة، وفي سوريا، باتت الليرة السورية على مدى السنوات الماضية رمزاً للأزمات المالية المتراكمة، حيث تراجع سعرها بشكل حاد أمام العملات الأجنبية، وتقلصت قدرتها الشرائية للمواطن بشكل كبير، بينما ارتفعت أسعار السلع والخدمات الأساسية إلى مستويات قياسية لم يعرفها السوريون من قبل.

في هذا الإطار، تعود بين الحين والآخر خطط حذف الأصفار من الليرة السورية أو استبدالها كلياً إلى واجهة النقاش العام، وتُروّج السلطات المالية والفنية لهذه الإجراءات على أنها مدخل لإصلاح النظام المالي والنقدي، بينما يرى كثير من المواطنين أنها مجرد خطوة شكلية لا تعالج جذور الأزمة الاقتصادية المتفاقمة.

صحيفتنا التقت غالب الطه، الحاصل على درجة الإجازة في الاقتصاد والعلوم المالية والمصرفية، للحديث حول أبعاد هذه الخطة. وقال الطه: “قبل عام 2011، كانت الليرة السورية مستقرة نسبياً عند حدود 50 ليرة مقابل الدولار الأميركي، لكن خلال السنوات الماضية شهدت تدهوراً كارثياً، حتى وصلت أحياناً إلى أكثر من 20000 ليرة مقابل الدولار في السوق السوداء.”

وأضاف: “في هذا الواقع، أصبحت الفئات النقدية الكبيرة مثل 5000 ليرة غير كافية لتغطية عمليات البيع والشراء اليومية، بينما اختفت الفئات الصغيرة من التداول عملياً بسبب فقدان قيمتها الشرائية، ما أثر سلباً على الحياة اليومية للمواطن العادي.”

وأوضح الطه أن حذف الأصفار يعني إعادة تسمية العملة بحيث يتم استبعاد عدد من الأصفار من قيمتها الاسمية، مبيناً: “إذا تم حذف ثلاثة أصفار مثلاً، فإن ورقة الـ10000 ليرة الحالية ستصبح 10 ليرات جديدة. الهدف المعلن عادةً من هذه العملية هو تبسيط الحسابات وتخفيف عبء التعامل بمبالغ ضخمة، وجعل الاقتصاد أكثر وضوحاً للمواطنين والتجار على حد سواء.”

غير أن الخبير الاقتصادي أشار إلى أن هذه العملية لا تؤثر على القيمة الحقيقية للعملة، فـ“القدرة الشرائية تبقى كما هي ما لم ترافق هذه الخطوة إصلاحات اقتصادية شاملة تعالج جذور التضخم وتعزز الاستقرار المالي.” وأضاف: “نجاح أي تجربة من هذا النوع يعتمد بشكل أساسي على توفر بيئة اقتصادية وسياسية مستقرة، وليس على مجرد إزالة الأصفار من الورقة النقدية.”

وأشار الطه إلى تجارب دولية عديدة في هذا المجال، حيث لجأت تركيا إلى حذف الأصفار من عملتها في مطلع الألفية الجديدة، بالتوازي مع إصلاحات اقتصادية حقيقية ودعم خارجي، ما ساعدها على تحقيق نجاح نسبي. بينما جربت دول أخرى مثل الأرجنتين والبرازيل هذه الخطوة مرات عدة، إلا أن غياب الإصلاح الاقتصادي الشامل جعل التجربة دون جدوى، وظلت الأزمات الاقتصادية قائمة بعد تبديل العملة.

ومن منظور المواطن العادي، قال الطه: “حتى في حال تنفيذ خطة حذف الأصفار، ستظل أسعار المواد الأساسية مثل الخبز والوقود والأدوية مرتبطة بالعرض والطلب وسعر الصرف في السوق، لذا يشعر الكثيرون بأن الخطوة قد تكون عملية تجميلية دون تأثير ملموس على حياتهم اليومية.”

وأضاف: “إن الحديث المستمر عن هذه الخطط يعكس شعوراً عاماً باليأس والرغبة في حلول سريعة، لكن التجارب الدولية تثبت أن خطوات من هذا النوع لا تنجح دون إصلاحات شاملة تعالج أسباب التضخم وفقدان الثقة بالعملة المحلية.”

واختتم غالب الطه حديثه بالتأكيد على أن الرأي بين مؤيد ومعارض يظل متبايناً، فقال: “بين من يرى في حذف الأصفار إجراءً رمزياً يساعد على إعادة تنظيم السوق، ومن يعتبرها مجرد عملية شكلية، يبقى المواطن السوري متخوفاً من أن تتحول هذه الخطوة إلى عبء إضافي، بدل أن تكون بداية لمسار إصلاحي حقيقي يعيد لليرة السورية قيمتها ويضمن استقرار الاقتصاد الوطني.”

في النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل ستصبح هذه الخطوة نقطة انطلاق لإصلاحات اقتصادية فعلية، أم مجرد إجراء شكلي لن يشعر المواطن بتأثيره سوى في شكل الأوراق النقدية؟ المستقبل وحده كفيل بالإجابة على هذا السؤال، بينما تواصل الليرة السورية تحديها للظروف الاقتصادية الصعبة في سوريا.

- Advertisement -

- Advertisement -