لكل السوريين

البرلمان الفرنسي يسقط حكومة بايرو.. ويضع ماكرون أمام خيارات صعبة

أسقط البرلمان الفرنسي حكومة فرانسوا بايرو بسبب خططها لكبح جماح الدين العام المتضخم، مما فاقم الأزمة السياسية في فرنسا، ووضع الرئيس إيمانويل ماكرون في موقف صعب بسبب اضطراره لاختيار خامس رئيس وزراء في أقل من عامين.

وصوّت 364 نائباً لصالح حجب الثقة عن الحكومة، بينما أبدى 194 تأييدهم لبايرو الذي تولى منصب رئاسة الحكومة قبل تسعة أشهر فقط.

وخلال الجلسة قال رئيس الكتلة الاشتراكية في البرلمان بوريس فالود، إن حزبه “مستعد لتولي الحكم إذا كلفه الرئيس إيمانويل ماكرون بذلك”، وأكد أنه جاهز لتشكيل حكومة بديلة بالتعاون مع الأحزاب اليسارية والخضر.

وكان فرانسوا بايرو قد خاطر بمبادرة غير مسبوقة في تاريخ الجمهورية الخامسة، بتقديم بيان حكومته للجمعية الوطنية، وإلى أعضاء لا يؤيدونه في البرلمان، بهدف الحصول على ثقتهم، استنادا إلى المادة 49 من الدستور، التي لا تستطيع تحقيقها إلا الحكومات التي تتمتع بأغلبية مريحة في قصر بوربون.

ومنذ إعلان ماكرون عن حل البرلمان في شهر حزيران العام الماضي، عجزت حكومة بايرو، وحكومة ميشيل بارنييه التي سبقتها، عن ضبط الأوضاع الداخلية الفرنسية بسبب غياب التوافق بين الأحزاب السياسية فيها.

مهمة مستحيلة

تتمثل خطة بايرو لاحتواء الدين المطرد للبلاد في توفير 44 مليار يورو من الإنفاق للحد من عجز الموازنة الذي وصل إلى 5.8% من الناتج المحلي الإجمالي في العام الماضي، وهو ما يتجاوز بكثير السقف المحدد من الاتحاد الأوروبي البالغ 3%.

وشملت الخطة إلغاء عطلتين رسميتين، وطالت مزايا اجتماعية، من بينها الحديث عن “سنة بيضاء” خالية من الزيادات في التحويلات الاجتماعية، في خطوة من شأنها أن توفر وحدها حوالي 5 مليارات يورو.

وحاول بايرو الذي رفع شعار “المسؤولية أو الفوضى”، الاعتماد على خصومه من اليسار واليمين، أو على الأقل امتناعهم عن التصويت، من أجل تمرير مشروع قانون الميزانية، وهو ما يبرر سعيه إلى الحصول على التصويت بالثقة قبل موعدها المقرر في تشرين الأول، ولكن خططه بدت غير واقعية ويستحيل تنفيذها.

وفي ظل التمويلات الإضافية المرتفعة الموجهة للدفاع والأمن، لم تتمكن تحذيرات الرئيس الفرنسي من مساعدة حكومة بايرو على النجاة من سحب الثقة، حيث حذر من مخاطر تعطيل التصديق على ميزانية عام 2026، وما قد يترتب على ذلك من عواقب تمس الأمن القومي.

من السترات الصفراء إلى التعبئة الرقمية

أعادت حركة التعبئة الاحتجاجية الرقمية التي انطلقت في فرنسا إلى الأذهان حركة “السترات الصفراء” التي أقضت مضجع الحكومة على مدى أسابيع طويلة قبل سبع سنوات.

وانطلقت الحركة عبر المنصات التفاعلية والسوشال ميديا، ومجموعات النقاش، منذ شهر أيار الماضي، لكنها اكتسبت زخماً واسعاً عندما طرح فرانسوا بايرو خطط التقشف لمواجهة تضخم الدين العام وتدهور الاقتصاد الفرنسي.

ووفق تقارير الصحافة الفرنسية، فقد بدأت التعبئة عبر تطبيق “تليغرام” لتتوسع نحو باقي منصات التواصل الاجتماعي ومجموعات افتراضية مفتوحة للنقاش.

وتراوحت الدعوات المنطلقة من تغريدات آلاف المتصفحين بين دعوات كلاسيكية مثل الإضراب والاعتصام المدني، إلى أخرى غير تقليدية مثل حث المحتجين على الامتناع عن التسوق واستخدام البطاقات المصرفية بدءا من الأسبوع الماضي، والعدول عن الذهاب الى المساحات التجارية.

وبرزت منصة “لنغضب” كواجهة للتعبئة ووسيط إعلامي ورقمي رئيسي للحملة التي تحمل نفس الاسم.

ودعا حزب “فرنسا الأبية” اليساري المواطنين إلى التظاهر في الشوارع ضد حكومة بايرو في شهر تموز الماضي.

خيارات ماكرون

سحَبت البرلمان الثقة من حكومة بايرو بسبب اقتراحها تخفيض الميزانية عن طريق إلغاء بعض أيام العطل لدفع الفرنسيين للعمل أكثر، في حين ترى أغلبية الفرنسيين أنه ما من سبب يدفعهم لتحمل ثمن السياسة المالية السيئة للحكومات التي عملت تحت قيادة ماكرون، خصوصا أنها أرهقت اقتصاد البلاد بدعمها المالي لأوكرانيا في حربها ضد روسيا.

ومع سقوط الحكومة دخل ماكرون في أزمة لا تقتصر على سقوطها فقط، فهو غير قادر على تشكيل حكومة تدير البلاد فيما بقي من فترته الرئاسية، كونه يدور في فلك أربعة أحزاب هي حزبه النهضة، وحزب الجمهوريين، والحركة الديمقراطية، وحزب آفاق، ولذلك حاول في الفترة الأخيرة استمالة الحزب الاشتراكي وحزب الخضر للتحالف معه، بهدف توسيع نسبة المؤيدين لحكومته وحمايتها، وهي محاولة لم تنجح إلّا بتأجيل سقوط الحكومة.

والآن يبدو ماكرون أمام خيارين أحلاهما مر، إما حل البرلمان وإجراء انتخابات تشريعية جديدة كما حدث في حزيران من العام الماضي، حيث انهزم أمام اليسار.

وإما استقالته من رئاسة فرنسا، وقد بدأت تتعالى الأصوات التي تدعوه إلى ذلك صراحة.

- Advertisement -

- Advertisement -