لكل السوريين

عيد “بربارة” في الساحل السوري طقس تراثي يجمع الذاكرة الشعبية وتداخل الثقافات

تقرير/ اـ ن

تحيي قرى الساحل السوري عيد “بربارة” كل عام في مطلع شهر كانون الأول في أجواء فلكلورية مميزة، حيث تنتشر رائحة القمح المسلوق في الأحياء، وتعلو أصوات الأهازيج الشعبية، وتشتعل النيران أمام البيوت في مشهد يعكس ذاكرة جماعية عريقة متوارثة عبر الأجيال.

ويجتمع الأهالي لإحياء هذا الطقس الذي يجمع بين الفرح الريفي والمجتمع الشعبي، مستحضرين ذكرى القديسة “بربارة” التي تحولت قصتها في الوجدان الشعبي إلى رمز للشجاعة والخصب والتجدد.

ويعد عيد “بربارة” من أبرز الطقوس الشعبية التراثية في ريف الساحل السوري، إذ يمثل مزيجاً غنياً من الموروث الثقافي والروحي، وتحضر فيه عادات قديمة تتجسد في الدعابات الشعبية والأهازيج وطقوس التنكر.

ويحتفل الناس بهذه المناسبة بوصفها ذكرى للقديسة “بربارة”، التي ينظر إليها في التراث الشرقي كرمز للإيمان والصمود، فيما يحمل العيد طابعاً شعبياً دينياً لدى العلويين في الساحل السوري، وتشاركهم أحياناً عائلات من بيئات مجاورة، ويأتي غالباً في بداية كانون الأول، مرتبطا بيوم القديسة “بربارة” في التقويم المسيحي، ولكن بطابع محلي خاص.

وتشير الروايات الشعبية إلى أن الأصل الأقدم لهذا العيد يعود إلى طقوس زراعية قديمة مرتبطة بالخصب والحماية ودخول فصل الشتاء، قبل أن يتداخل لاحقا مع قصة القديسة “بربارة”، التي تروي الحكايات أنها كانت تتخفى بين الحقول هرباً من الاضطهاد، ما عزز ارتباط العيد بطقوس التنكر والقمح والنبات.

وفي هذا السياق، يطبخ الأهالي أكلة “بربارة” المكونة من القمح المسلوق مع السكر واليانسون والقرفة، وتزين بالجوز واللوز والزبيب، فيما يتنكر الأطفال وأحياناً الكبار بملابس غريبة ويجوبون البيوت، وسط تبادل أطباق “بربارة” بين الجيران في أجواء يسودها الشعور بالألفة والمشاركة.

وفي بعض القرى، يزرع القمح قبل أيام من العيد، فإذا نبت بشكل جيد اعتبر ذلك فألا حسناً للسنة القادمة، ويؤكد أبناء الساحل أن معنى العيد لديهم لا يرتبط بطقس عقائدي صارم، بل يعد تراثاً اجتماعياً وروحياً يرمز إلى الحياة والتجدد والستر والنجاة، ويقترب في دلالاته من الاحتفال بالطبيعة أكثر من كونه مناسبة دينية مغلقة.

ويعكس عيد “بربارة” تداخلاً ثقافياً واضحاً في الساحل السوري، يجمع بين جذور وثنية قديمة وتأثيرات مسيحية شعبية وتقاليد محلية متوارثة.

ويمتاز هذا الطقس بطابعه الإنساني والفلكلوري، حيث يجمع الناس من مختلف الأعمار حول الأهازيج والأطعمة التقليدية. وتعود جذور العيد، بحسب المرويات، إلى قصة القديسة “بربارة” التي عاشت في القرن الثالث الميلادي، وكانت شابة من عائلة وثنية آمنت بالمسيحية وتعرضت للسجن والتعذيب بسبب معتقدها.

وتقول الحكايات الشعبية إن إرادتها القوية مكنتها من النجاة، إذ انشق الجبل أمامها لتختبئ فيه، ما جعل القمح والنبات رمزين أساسيين في هذا اليوم، بوصفهما دلالة على الحياة والنمو بعد المعاناة.

وفي قرى الساحل السوري، تتوارث الأجيال طقوس الاحتفال بـ”بربارة”، ومن أبرزها إعداد أكلة “بربارة المطبخ” من القمح المسلوق مع اليانسون والقرفة والسكر والمكسرات والزبيب، باعتبارها رمزاً لخصوبة الأرض ووفرة الخير.

كما تنتشر أمثال شعبية مرتبطة بهذه المناسبة، من بينها “بـ”بربارة رجع الحب ع كوارة”، في إشارة إلى انتهاء موسم الخريف وعودة الحبوب إلى المخازن. ومن الطقوس اللافتة أيضاً إشعال كومة من الحطب أمام كل بيت، خاصة في القرى الريفية، حيث يطوف الأطفال حولها مرتدين أزياء تنكرية، مرددين أهازيج شعبية مثل: “”بربارة قدسه رموك بالديسة وكبوا عليك صحن هريسة” و“هاشلة بربارة مع بنات حارة”، في أجواء مليئة بالبهجة، تترافق مع توزيع الحلويات والمكسرات.

وتزين المنازل أيضا بحبوب القمح والشعير المنقوعة التي تزرع قبل أيام من العيد لتنمو خضرتها، في رمز واضح للتجدد، فيما تروى الحكايات التراثية خلال السهرات العائلية، ليغدو العيد درساً حياً في التنوع الثقافي الذي يميز الساحل السوري.

ورغم التحولات الاقتصادية والاجتماعية الحديثة، لا يزال أبناء الريف الساحلي يحافظون على إحياء هذا الطقس، وتبقى روح “بربارة”، المتمثلة بالفرح والألفة، حاضرة في كل بيت، شاهدة على حب الحياة والتجذر في الأرض والإيمان.

وتحيي غالبية قرى الساحل السوري، من طرطوس إلى اللاذقية، عيد “بربارة” بطبخ أكلات متنوعة، أبرزها الهريسة أو القمحية، التي تتألف من القمح مع الدجاج أو الحبش أو اللحم.

ويحتفل المسيحيون بعيد “بربارة” في الرابع من كانون الأول، بطبخ القمح مع السكر والمكسرات والزبيب، تيمناً بالقديسة “بربارة”، بينما يحيي العلويون طقوسا مشابهة في السادس عشر من كانون الأول، مع اختلاف في طريقة الطهي، إذ يطبخ القمح مع الدجاج والسمن البلدي.

وتبدأ عملية الطهي منذ ساعات الصباح الأولى، حيث يوضع القمح والدجاج على نار الحطب ويترك لعدة ساعات حتى ينضج، ثم يضاف السمن البلدي أو الزبدة الحيوانية، لتبدأ عملية الخفق وامتزاج المكونات.

ومن أغرب الطقوس التي ارتبطت بهذه المناسبة في بعض القرى، إشعال النيران على أسطح المنازل عبر وضع رماد الحطب المشتعل ورش القليل من المازوت عليه، لتبقى القرى مضاءة طوال الليل.

وكان هذا الطقس، بحسب الروايات الشعبية، مصدر تنافس بين القرى، إذ يعد إشعال النيران دليلا على الاحتفال الكامل، فيما كان التخلف عنه يعرض أصحابه للسخرية من القرى المجاورة، ليبقى عيد “بربارة” مناسبة تختزل الفرح والتقاليد والذاكرة الجمعية لأهالي الساحل السوري.

- Advertisement -

- Advertisement -