الدق”.. وشومٌ تحرس الذاكرة كيف تحوّل الوشم التقليدي في الجزيرة السورية من علامة جمال إلى إرث يرويه كبار السن؟
لا تحتاج نساء كثيرات في الجزيرة السورية إلى صور قديمة لاستعادة ملامح شبابهن، فآثار الوشم التقليدي المرسوم على الذقن أو الخد أو أطراف اليدين ما تزال تروي حكايات عمرها عشرات السنين. هناك، حيث كانت القرى تعيش على إيقاع المواسم الزراعية، لم يكن “الدق” مجرد زينة، بل لغة اجتماعية وثقافية حملت معاني الجمال والانتماء والذاكرة الشعبية.
ورغم أن هذه العادة تكاد تختفي اليوم، فإن وجوه الجدات لا تزال تحتفظ بخطوط ونقاط ورسوم صغيرة، تحولت مع مرور الزمن إلى وثيقة بصرية تختزن جانبًا من تاريخ المرأة الريفية في الجزيرة السورية.
وشم يحمل اسمًا مختلفًا
يطلق أبناء الجزيرة السورية على الوشم التقليدي اسم “الدق”، وهي تسمية ارتبطت بطريقة إنجازه، إذ تعتمد على وخز الجلد بإبر دقيقة لإدخال الصبغة تحت البشرة.
وتختلف الرسوم من منطقة إلى أخرى، لكن معظمها يقوم على أشكال هندسية بسيطة أو خطوط ونقاط متناسقة، فيما اكتسبت بعض الرسوم أسماء خاصة تناقلتها النساء عبر الأجيال، حتى أصبحت جزءًا من المفردات الشعبية المتداولة.
ولم يكن اختيار مكان الوشم عشوائيًا، إذ توضع بعض الرسوم أسفل الشفة، وأخرى على الذقن أو الوجنتين أو الجبين، بينما تنتشر أشكال أخرى على اليدين والساعدين والكاحلين.
“كان علامة جمال”
تستعيد السبعينية أم خالد، من ريف الحسكة، ذكريات طفولتها قائلة إن الفتيات كن ينتظرن وصول المرأة التي تجيد “الدق” إلى القرية كما ينتظرن مناسبة العيد.
وتضيف: “في ذلك الوقت كانت الفتاة تفرح عندما تحصل على وشم جديد، لأنه كان يُعد جزءًا من الزينة، وكانت كثير من النساء يفتخرن برسومهن أمام القريبات والجارات.”
وتوضح أن الوشم لم يكن مرتبطًا بطبقة اجتماعية معينة، بل انتشر بين نساء معظم القرى، وأصبح جزءًا من الصورة التقليدية للمرأة في الجزيرة.
أدوات بسيطة… وألم لا يُنسى
لم تعرف القرى قديمًا الأدوات الحديثة الخاصة بالوشم، لذلك اعتمدت النساء على وسائل بدائية متوافرة في البيوت.
تقول أم خالد إن المرأة التي تمارس هذه الحرفة كانت تستخدم إبرًا معدنية رفيعة، بينما تُحضَّر الصبغة من الكحل أو السخام الأسود المتجمع أسفل أواني الطبخ، ويخلط أحيانًا مع الماء أو مواد طبيعية تساعد على تثبيت اللون.
وتصف لحظة الوشم بأنها كانت مؤلمة، إلا أن الألم لم يكن يمنع الفتيات من الإقبال عليه، إذ كان يُنظر إليه باعتباره ثمنًا بسيطًا للحصول على زينة تدوم مدى الحياة.
بين الزينة والمعتقدات الشعبية
لم يقتصر “الدق” على الناحية الجمالية، بل ارتبط أيضًا بجملة من المعتقدات الشعبية التي كانت سائدة في المجتمع المحلي.
فبعض النساء اعتقدن أن الوشم يحمي من الحسد أو يجلب البركة، فيما استخدمه آخرون في مواضع محددة من الجسم اعتقادًا بأنه يخفف بعض الآلام، خاصة لدى النساء اللواتي يعملن في الزراعة أو إعداد الخبز والأعمال المنزلية الشاقة.
ورغم غياب أي أساس علمي لهذه المعتقدات، فإنها بقيت حاضرة في الذاكرة الشعبية لعقود طويلة.
رموز مستوحاة من البيئة
يقول الباحث في التراث الشعبي أحمد الحمد إن الوشم التقليدي في الجزيرة السورية يعكس علاقة الإنسان ببيئته أكثر مما يعكس مجرد رغبة في الزينة.
ويوضح أن كثيرًا من الرسوم استُلهمت من عناصر الطبيعة، مثل الشمس والهلال والأغصان والأشكال النباتية، إلى جانب الخطوط المتوازية والنقاط والمثلثات، وهي رموز ظهرت في أكثر من منطقة من بلاد الشام والجزيرة الفراتية.
ويشير إلى أن هذه الرسوم لم تكن تحمل معاني موحدة، بل كانت تختلف من قرية إلى أخرى تبعًا للعادات المحلية.
عادة تتراجع
شهدت العقود الأخيرة تراجعًا واضحًا في ممارسة “الدق”، مع انتشار التعليم وازدياد الوعي الصحي، إلى جانب تغير معايير الجمال لدى الأجيال الجديدة.
كما لعبت وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي دورًا في استبدال الوشم التقليدي بوشوم تجميلية حديثة أو رسومات مؤقتة لا تترك أثرًا دائمًا على الجلد.
وباتت رؤية فتاة شابة تحمل وشمًا تقليديًا من هذا النوع أمرًا نادرًا، بعدما أصبح مقتصرًا على النساء المسنات اللواتي يحملن آثار تلك المرحلة.
ذاكرة لا تمحى
ورغم اختفاء “الدق” تدريجيًا من الحياة اليومية، فإنه ما يزال حاضرًا بوصفه جزءًا من التراث غير المادي في الجزيرة السورية.
فعلى وجوه الجدات وأيديهن، تستقر خطوط صغيرة قد تبدو عادية للناظر، لكنها بالنسبة لصاحباتها تختزن حكايات عن الطفولة والعمل والحياة الريفية، وعن زمن كانت فيه الزينة تُرسم بإبرة، وتبقى شاهدة على العمر كله.
وبينما تتبدل العادات وتتغير الأذواق، يبقى “الدق” أكثر من مجرد وشم؛ إنه أثر ثقافي يروي جانبًا من تاريخ المرأة في الجزيرة السورية، ويذكّر بأن التراث لا يعيش في الكتب وحدها، بل على الوجوه التي حملته لعقود.