لكل السوريين

رغم استعادة معظم موارد الطاقة.. لماذا لا تزال أزمة المحروقات تخنق السوريين؟

في وقت كان كثير من السوريين يأملون أن تنحسر أزمة المحروقات مع توسع سيطرة الحكومة على معظم منشآت الطاقة وعودة حركة الاستيراد، لا تزال طوابير السيارات أمام محطات الوقود تتكرر في عدد من المحافظات، بينما يشكو المواطنون من صعوبة الحصول على البنزين والمازوت، وارتفاع أسعارهما في السوق، ما يثير تساؤلات حول أسباب استمرار الأزمة.

فهل تعود المشكلة إلى نقص حقيقي في الإمدادات؟ أم إلى ضعف الإدارة وسوء تنظيم عمليات التوزيع؟ أم أن الاحتكار الحكومي لسوق المحروقات بات أحد العوامل التي تعمق الأزمة؟

أزمة مستمرة رغم تغير المشهد

خلال السنوات الماضية، ربطت السلطات السورية أزمة المحروقات بالعقوبات الغربية، وخروج معظم حقول النفط عن سيطرة الدولة، وصعوبة الاستيراد.

لكن مع التغيرات التي شهدها قطاع الطاقة خلال الفترة الأخيرة، لا يزال المواطن السوري يواجه المشهد ذاته؛ نقص في الوقود، وتقنين غير معلن، وازدحام أمام المحطات، إلى جانب نشاط السوق السوداء في بعض المناطق.

ويرى خبراء اقتصاديون أن امتلاك الموارد لا يعني بالضرورة توافر الوقود في الأسواق، إذ تمر المشتقات النفطية بسلسلة طويلة تبدأ بالإنتاج أو الاستيراد، ثم التكرير، والنقل، والتخزين، والتوزيع، وهي مراحل قد تؤثر فيها تحديات مالية ولوجستية وإدارية.

الإنتاج وحده لا يكفي

يشير مختصون إلى أن إنتاج النفط الخام لا يتحول تلقائيًا إلى بنزين أو مازوت جاهز للاستهلاك، إذ تعتمد سوريا على المصافي لتكرير الخام وتحويله إلى مشتقات نفطية.

وتواجه هذه المصافي تحديات تتعلق بقدم البنية التحتية، والحاجة إلى أعمال صيانة وتحديث، فضلاً عن محدودية الطاقة الإنتاجية مقارنة بحجم الطلب المحلي، الأمر الذي يبقي البلاد بحاجة إلى استيراد جزء من احتياجاتها من المشتقات النفطية.

كما أن تزايد أعداد المركبات وارتفاع الطلب على الوقود بعد سنوات الحرب يزيدان الضغط على الكميات المتوافرة.

احتكار أم إدارة مركزية؟

تخضع عمليات استيراد وتوزيع المحروقات في سوريا إلى إدارة مركزية تشرف عليها مؤسسات حكومية، وهو ما يرى اقتصاديون أنه يمنح الدولة قدرة على تنظيم السوق، لكنه في المقابل يقلل من المنافسة التي قد تسهم في تحسين الكفاءة وسرعة التوريد.

ويشير بعض الخبراء إلى أن أي خلل في عمليات الشراء أو النقل أو التخزين ينعكس مباشرة على السوق المحلية، لغياب البدائل أمام المستهلكين.

في المقابل، ترى السلطات أن الإدارة المركزية ضرورية لضمان توزيع المحروقات ومنع الاحتكار والمضاربة، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.

أين تذهب الكميات؟

يتساءل مواطنون عن أسباب استمرار النقص، رغم وصول شحنات نفطية بشكل دوري وإعلان الجهات الرسمية عن تزويد المحافظات بالمحروقات.

ويشير مراقبون إلى أن جزءًا من المشكلة قد يرتبط بضعف الرقابة على حلقات التوزيع، واحتمال تسرب كميات إلى السوق غير النظامية، أو بوجود تفاوت في توزيع الإمدادات بين المحافظات، ما يؤدي إلى ظهور اختناقات في بعض المناطق دون غيرها.

كما أن ازدياد الاعتماد على المولدات الكهربائية الخاصة، والقطاع الزراعي، ووسائل النقل، يرفع الطلب على الوقود إلى مستويات يصعب تلبيتها بشكل مستمر.

المواطن يدفع الثمن

بغض النظر عن الأسباب، تبقى النتيجة واحدة بالنسبة للسوريين.

فأزمة البنزين لا تعني فقط انتظار ساعات أمام محطات الوقود، بل تمتد آثارها إلى ارتفاع أجور النقل، وزيادة تكاليف الإنتاج الزراعي والصناعي، وارتفاع أسعار السلع الغذائية، في وقت تعاني فيه غالبية الأسر من تراجع القدرة الشرائية.

ويرى أصحاب أعمال أن نقص المحروقات ينعكس مباشرة على نشاطهم الاقتصادي، إذ ترتفع تكاليف تشغيل المولدات ونقل البضائع، بينما يضطر بعضهم إلى تقليص ساعات العمل أو رفع الأسعار لتعويض الخسائر.

هل تكفي الحلول الحالية؟

يرى اقتصاديون أن إنهاء أزمة المحروقات لا يعتمد فقط على زيادة كميات النفط أو استيراد شحنات إضافية، بل يتطلب إصلاحًا شاملًا لمنظومة الطاقة، يشمل تحديث المصافي، وتحسين شبكات النقل والتخزين، وتعزيز الشفافية في توزيع الوقود، ومراجعة آليات الإدارة بما يضمن وصول المحروقات إلى مستحقيها.

وفي ظل استمرار الأزمة، تبقى الأسئلة مفتوحة حول قدرة الحكومة على تقديم حلول مستدامة، وما إذا كانت المشكلة مرتبطة بالفعل بنقص الموارد، أم أن جذورها تكمن في إدارة القطاع وآليات توزيعه، وهي أسئلة يكررها السوريون مع كل أزمة جديدة أمام محطات الوقود.

- Advertisement -

- Advertisement -