السوري ـ خاص
مع دخول شهر تموز وارتفاع درجات الحرارة، تعود المخاوف في سوريا من تكرار سيناريو حرائق الغابات والمحاصيل الزراعية التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية، في ظل ظروف مناخية قاسية، وتراجع الغطاء النباتي، واستمرار التحديات التي تواجه القطاع الزراعي، وهو ما يثير تساؤلات متجددة حول مدى فعالية الإجراءات المتخذة للحد من هذه الكوارث قبل وقوعها.
ويُعد فصل الصيف من أكثر الفصول خطورة على الغابات والأراضي الزراعية في سوريا، حيث تتزامن موجات الحر والجفاف مع موسم حصاد القمح والشعير، ما يجعل آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية عرضة للاشتعال خلال فترة زمنية قصيرة، سواء نتيجة عوامل طبيعية أو أخطاء بشرية أو حرائق مجهولة الأسباب.
خسائر تتكرر كل عام
لم تعد حرائق الغابات والمحاصيل الزراعية حوادث استثنائية، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى مشهد يتكرر مع بداية كل صيف، مخلفاً خسائر اقتصادية وبيئية كبيرة.
وتتسبب هذه الحرائق في تدمير مساحات واسعة من الغابات الطبيعية والأشجار المثمرة، إضافة إلى احتراق آلاف الدونمات المزروعة بالقمح والشعير والمحاصيل الصيفية، الأمر الذي ينعكس بصورة مباشرة على الأمن الغذائي ودخل آلاف الأسر التي تعتمد على الزراعة كمصدر رئيسي للرزق.
ولا تتوقف الخسائر عند الجانب الزراعي فقط، بل تمتد إلى البيئة، إذ يؤدي احتراق الغابات إلى فقدان التنوع الحيوي، وتدهور التربة، وزيادة احتمالات التصحر، فضلاً عن انبعاث كميات كبيرة من الغازات المسببة لتلوث الهواء.
إجراءات وقائية… لكن النتائج تثير التساؤلات
ورغم الإعلان سنوياً عن خطط وإجراءات للحد من الحرائق، يرى مراقبون أن النتائج على أرض الواقع لا تزال دون المستوى المطلوب، إذ لم تمنع التدابير المعلنة وقوع حرائق واسعة النطاق في مواسم سابقة.
وتشمل هذه الإجراءات عادة تشكيل غرف عمليات، وتجهيز فرق الإطفاء، وإطلاق حملات توعية للمزارعين، وفتح خطوط نار حول بعض الأراضي الزراعية، إضافة إلى نشر آليات الدفاع المدني في المناطق الأكثر عرضة للخطر.
غير أن تكرار الحرائق واتساع رقعتها كل عام يطرح تساؤلات حول مدى كفاءة تلك الخطط، وما إذا كانت تركز على الاستجابة بعد اندلاع الحرائق أكثر من تركيزها على الوقاية المبكرة ومنع أسباب الاشتعال.
تحديات تواجه عمليات الاستجابة
ويواجه التعامل مع الحرائق في سوريا مجموعة من التحديات، أبرزها نقص المعدات والآليات المتخصصة، وصعوبة الوصول إلى بعض المناطق الجبلية أو الحرجية، فضلاً عن محدودية مصادر المياه في بعض المواقع، وتأخر عمليات التدخل في عدد من الحالات.
كما أن الظروف الاقتصادية الصعبة وانخفاض الإمكانات لدى العديد من الجهات المعنية ينعكسان بصورة مباشرة على جاهزية فرق الإطفاء وقدرتها على السيطرة السريعة على الحرائق قبل انتشارها.
تغير المناخ يزيد من حجم المخاطر
يرى مختصون في الشأن البيئي أن التغيرات المناخية أصبحت عاملاً أساسياً في زيادة احتمالات اندلاع الحرائق، مع تسجيل ارتفاعات متكررة في درجات الحرارة، وانخفاض معدلات الهطول المطري، وامتداد فترات الجفاف خلال فصل الصيف.
وتوفر هذه الظروف بيئة مثالية لانتشار النيران بسرعة كبيرة، خاصة في المناطق التي تضم غابات كثيفة أو حقولاً لم يتم حصادها بالكامل.
المزارعون الحلقة الأكثر تضرراً
بالنسبة للمزارعين، فإن أي حريق قد يعني ضياع موسم كامل من العمل والاستثمار، خصوصاً في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي، وصعوبة تعويض الخسائر.
ويؤكد عدد من العاملين في القطاع الزراعي أن الوقاية الفعالة تبدأ من تأمين مراقبة مستمرة للمناطق الزراعية، وصيانة الطرق الزراعية، وتجهيز خزانات مياه ونقاط تدخل سريع، إلى جانب تعزيز التنسيق بين الجهات المحلية والمجتمعات الريفية للإبلاغ المبكر عن أي حريق.
الحاجة إلى استراتيجية طويلة الأمد
ويرى خبراء أن الحد من تكرار هذه الكوارث يتطلب استراتيجية وطنية متكاملة لا تقتصر على موسم الصيف فقط، بل تشمل إدارة الغابات على مدار العام، وإزالة الأعشاب الجافة، وإنشاء خطوط عازلة حول المناطق الحرجية والزراعية، وتحديث معدات الإطفاء، واستخدام أنظمة الإنذار المبكر وتقنيات المراقبة الحديثة.
كما يؤكدون أهمية تعزيز الوعي المجتمعي، وتشديد العقوبات بحق المتسببين بالحرائق الناتجة عن الإهمال أو المخالفات، بما يسهم في تقليل الخسائر البشرية والاقتصادية والبيئية.
صيف جديد… والاختبار يتكرر
ومع بداية شهر تموز، تبدو سوريا أمام اختبار جديد في مواجهة موسم الحرائق، وسط مخاوف من أن تتكرر مشاهد الأعوام الماضية إذا لم تُترجم الخطط المعلنة إلى إجراءات عملية وفعالة على الأرض.
وبين الحاجة إلى حماية الغابات باعتبارها ثروة وطنية، والحفاظ على المحاصيل الزراعية التي تمثل مصدر رزق لآلاف الأسر، يبقى نجاح موسم الصيف مرهوناً بقدرة الجهات المعنية على الانتقال من ردّ الفعل بعد اندلاع الحرائق إلى سياسة وقائية استباقية تقلل من احتمالات وقوعها، وتحد من آثارها قبل أن تتحول إلى كارثة جديدة تضاف إلى سجل الخسائر المتراكمة.