لكل السوريين

قمة الناتو في أنقرة.. هل تنجح في احتواء الخلافات مع تركيا؟

تستضيف العاصمة التركية أنقرة، يومي 7 و8 يوليو، قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في محطة يُنظر إليها باعتبارها اختباراً جديداً للعلاقة المعقدة بين تركيا وشركائها الغربيين، وسط تصاعد التساؤلات بشأن مدى توافق سياسات أنقرة الإقليمية والدولية مع أولويات الحلف الأمنية والاستراتيجية.

وتحمل القمة أهمية خاصة، ليس فقط لأنها تُعقد في تركيا للمرة الأولى منذ أكثر من عقدين، بل لأنها تأتي في وقت يواجه فيه الحلف تحديات متزامنة، من استمرار الحرب في أوكرانيا إلى تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، ما يجعل الحفاظ على وحدة الموقف بين الدول الأعضاء أولوية ملحة.

ورغم أن أنقرة تؤكد التزامها الكامل بعضويتها في الحلف، فإن السنوات الأخيرة شهدت اتساعاً في مساحة التباين مع عدد من الحلفاء، سواء فيما يتعلق بعلاقاتها مع روسيا، أو تحركاتها في شرق البحر المتوسط، أو توجهها نحو تنويع شراكاتها الدولية خارج الإطار الغربي.

وفي هذا السياق، يرى الباحث المتخصص في الشأن التركي، سينان جيدي، في تحليل نشره معهد واشنطن، أن القمة ينبغي ألا تتحول إلى منصة تمنح تركيا فرصة لتقديم نفسها بوصفها “الحليف الذي لا غنى عنه” دون مناقشة الملفات الخلافية التي ألقت بظلالها على علاقتها بالحلف خلال السنوات الماضية.

ويعتبر جيدي أن الإشكالية لا تكمن في عضوية تركيا داخل الناتو، وإنما في النهج الذي تتبعه أنقرة لتوظيف موقعها داخل الحلف بما يخدم أولوياتها الإقليمية، وهو ما يراه بعض الشركاء الغربيين خروجاً عن روح التوافق التي يقوم عليها التحالف.

سياسة خارجية متعددة المسارات

خلال السنوات الأخيرة، تبنت تركيا سياسة خارجية أكثر استقلالية، قائمة على توسيع شبكة علاقاتها الدولية وعدم الاكتفاء بالشراكة الغربية التقليدية.

وفي هذا الإطار، برزت مساعي أنقرة لتعزيز تعاونها مع تكتلات دولية مثل مجموعة “بريكس” ومنظمة شنغهاي للتعاون، إلى جانب تداول أفكار حول إقامة ترتيبات أمنية إقليمية تضم عدداً من الدول الإسلامية.

وتقول الحكومة التركية إن هذه التحركات تعكس رغبتها في تنويع خياراتها الاستراتيجية وتعزيز قدرتها على التعامل مع التحولات الإقليمية والدولية، بينما يرى منتقدون في الغرب أن هذه المقاربة قد تضعف مستوى الانسجام داخل الناتو وتثير تساؤلات بشأن اتجاهات السياسة الخارجية التركية.

شرق المتوسط… بؤرة توتر مستمرة

ويظل شرق البحر المتوسط من أكثر الملفات حساسية بين تركيا وبعض حلفائها، ولا سيما اليونان وقبرص، في ظل استمرار الخلافات حول ترسيم الحدود البحرية وحقوق التنقيب عن الطاقة.

وتثير التحركات التركية المرتبطة بعقيدة “الوطن الأزرق” مخاوف أوروبية من احتمال عودة التوترات التي شهدتها المنطقة خلال الأعوام الماضية، وهو ما قد ينعكس على تماسك الحلف في ظل الأزمات الأمنية المتزايدة على حدوده الشرقية والجنوبية.

العلاقة مع موسكو… معادلة معقدة

ورغم وقوف أنقرة إلى جانب أوكرانيا في ملفات عدة، من بينها دعم وحدة أراضيها وتزويدها بطائرات مسيرة، فإنها حافظت في الوقت نفسه على قنوات سياسية واقتصادية مفتوحة مع روسيا.

ويظل شراء تركيا لمنظومة الدفاع الجوي الروسية “إس-400” أحد أبرز أسباب التوتر مع الولايات المتحدة، بعدما أدى إلى استبعادها من برنامج المقاتلة الأمريكية “إف-35” عام 2019.

ومع انعقاد القمة، يتوقع مراقبون أن تعيد أنقرة طرح مسألة العودة إلى البرنامج، إلا أن دوائر غربية لا تزال ترى أن هذه الخطوة ستظل مرتبطة بمعالجة أسباب الخلاف الأساسية، وفي مقدمتها ملف “إس-400”.

ملفات إقليمية وضغوط سياسية

ولا تقتصر التباينات على الملفات العسكرية، إذ تلقي التوترات بين تركيا وإسرائيل، والخلافات بشأن تطورات غزة ولبنان، بظلالها على المشهد السياسي داخل الحلف، في ظل اختلاف واضح في مقاربات الطرفين تجاه قضايا الشرق الأوسط.

كما تواجه أنقرة انتقادات متواصلة من شركائها الغربيين بشأن أوضاع الديمقراطية وسيادة القانون، بعد إجراءات استهدفت شخصيات معارضة خلال العامين الماضيين، وهو ما ينعكس على صورة تركيا داخل الحلف الذي يربط بين التعاون الأمني والالتزام بالمبادئ الديمقراطية.

أهمية استراتيجية رغم الخلافات

وعلى الرغم من تعدد نقاط الخلاف، فإن معظم العواصم الغربية لا تنظر إلى تركيا باعتبارها شريكاً يمكن الاستغناء عنه، نظراً لموقعها الجغرافي الاستراتيجي، وامتلاكها ثاني أكبر جيش داخل الناتو، فضلاً عن دورها المحوري في ملفات البحر الأسود وسوريا والشرق الأوسط والهجرة وأمن الطاقة.

ومن المتوقع أن تسعى قمة أنقرة إلى تحقيق توازن بين الإقرار بالأهمية الجيوسياسية لتركيا، والتأكيد في الوقت ذاته على ضرورة تقارب سياساتها مع الرؤية الجماعية للحلف.

وفي ظل بيئة أمنية تزداد تعقيداً، يبدو أن التحدي الأكبر أمام الناتو لم يعد مرتبطاً بالحفاظ على عضوية تركيا، بل بإيجاد صيغة تقلص فجوة التباينات السياسية والاستراتيجية بين الجانبين، بما يضمن استمرار تماسك الحلف وقدرته على مواجهة التحديات الدولية المتصاعدة.

- Advertisement -

- Advertisement -