لكل السوريين

فرنسا تعود إلى دمشق… طموحات واسعة وحدود يفرضها النفوذ الأميركي

في أول زيارة لرئيس فرنسي إلى دمشق منذ سقوط نظام بشار الأسد، حمل الرئيس إيمانويل ماكرون معه رسالة تتجاوز الطابع البروتوكولي، مفادها أن باريس تريد استعادة موقعها في سوريا بعد سنوات من التراجع. غير أن الطريق نحو هذا الهدف لا يبدو سهلاً، إذ تصطدم الطموحات الفرنسية بواقع سياسي وأمني معقد، تتصدر فيه الولايات المتحدة المشهد بوصفها اللاعب الأكثر تأثيراً في رسم مستقبل البلاد.

عودة إلى المشهد السوري

تشير زيارة ماكرون إلى رغبة فرنسية واضحة في استعادة الحضور داخل سوريا خلال المرحلة الانتقالية التي يقودها الرئيس أحمد الشرع، بعد الإطاحة بنظام بشار الأسد نهاية عام 2024.

وتسعى باريس إلى تثبيت حضورها في ملفات الانتقال السياسي، وإعادة الإعمار، ومكافحة الإرهاب، فضلاً عن تعزيز نفوذها الدبلوماسي في شرق المتوسط، في وقت تتنافس فيه قوى إقليمية ودولية على رسم ملامح سوريا الجديدة.

لكن هذه العودة الفرنسية تأتي في ظل معادلة معقدة، إذ لا تمتلك باريس أدوات التأثير التي تملكها واشنطن، سواء على مستوى العقوبات الاقتصادية أو النفوذ العسكري أو العلاقات مع القوى المحلية والإقليمية.

دعم سياسي مشروط

أعلنت فرنسا دعمها للمرحلة الانتقالية بقيادة الرئيس أحمد الشرع، إلا أن هذا الدعم بقي مرتبطاً بشروط تتعلق ببناء دولة شاملة تضمن حقوق جميع السوريين.

وتشدد باريس باستمرار على ضرورة حماية الأقليات الدينية والقومية، بعد أحداث العنف التي شهدها الساحل السوري والسويداء خلال العام الماضي، كما تدعو إلى دمج المؤسسات العسكرية والإدارية الكردية ضمن مؤسسات الدولة الجديدة، في محاولة لتحقيق توازن بين وحدة البلاد والحفاظ على خصوصية المناطق الكردية.

ويعكس هذا الموقف رغبة فرنسية في تقديم نفسها شريكاً في بناء الاستقرار السياسي، بعيداً عن سياسة العزل التي طبعت السنوات الماضية.

مكافحة الإرهاب… أولوية أمنية

لا تزال مكافحة تنظيم “داعش” تمثل أولوية أساسية بالنسبة لفرنسا، التي ترى أن أي فراغ أمني داخل سوريا قد ينعكس مباشرة على الأمن الأوروبي.

ورغم تراجع قدرات التنظيم منذ عام 2019، فإن خلاياه ما زالت تنشط في البادية السورية، الأمر الذي يدفع باريس إلى مواصلة مشاركتها في التحالف الدولي، بالتنسيق مع الولايات المتحدة وشركائها.

كما تضع الحكومة الفرنسية ملف المقاتلين الفرنسيين الموجودين داخل الأراضي السورية ضمن أولوياتها، خشية تحولهم إلى مصدر تهديد مستقبلي.

الاقتصاد… فرصة واستثمار طويل الأمد

بعيداً عن السياسة، تنظر الشركات الفرنسية إلى سوريا باعتبارها سوقاً واعدة لإعادة الإعمار، في ظل تقديرات دولية تشير إلى أن تكلفة إعادة بناء البلاد تتجاوز 216 مليار دولار.

ويرافق ماكرون وفد اقتصادي يضم ممثلين عن شركات تعمل في مجالات الموانئ والطاقة والمياه والبنية التحتية، في مؤشر على رغبة باريس في الحصول على حصة من مشاريع إعادة الإعمار عندما تتوافر الظروف المناسبة.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بعقبات مالية وقانونية كبيرة، أبرزها استمرار العقوبات الغربية، وعدم توفر التمويل الدولي الكافي، إضافة إلى غياب الضمانات الاستثمارية التي تحتاجها الشركات الأجنبية.

واشنطن صاحبة الكلمة الأبرز

يرى مراقبون أن مستقبل الدور الفرنسي في سوريا يبقى مرتبطاً إلى حد كبير بالموقف الأميركي، الذي لا يزال يتحكم بمسارات العقوبات، وملفات الأمن، والعلاقات مع القوى الكردية، فضلاً عن النفوذ العسكري شرق البلاد.

كما تعتمد باريس على التنسيق مع دول الخليج، التي يُتوقع أن تتحمل الجزء الأكبر من تمويل مشاريع إعادة الإعمار، وهو ما يجعل فرنسا شريكاً اقتصادياً أكثر منها لاعباً مستقلاً.

نفوذ دبلوماسي محدود

رغم التحرك الفرنسي، يؤكد خبراء أن باريس لم تستعد بعد وزنها التقليدي في الشرق الأوسط، بعدما تراجعت قدرتها على التأثير خلال السنوات الأخيرة مقابل صعود أدوار الولايات المتحدة وتركيا ودول الخليج.

كما تواجه فرنسا تحديات إضافية، أبرزها التوتر مع إسرائيل، وتعقيدات الملف اللبناني، فضلاً عن استمرار الانقسام الدولي حول مستقبل سوريا.

ويرى محللون أن زيارة ماكرون تمثل محاولة لإثبات الحضور أكثر من كونها إعلاناً لعودة النفوذ الفرنسي الكامل، خاصة أن القرارات الكبرى المتعلقة بسوريا لا تزال تُصنع بالتنسيق بين واشنطن والقوى الإقليمية الفاعلة.

بين الطموح والواقع

تكشف التحركات الفرنسية عن رغبة واضحة في استعادة دور مؤثر داخل سوريا الجديدة، سواء عبر دعم العملية السياسية أو المشاركة في إعادة الإعمار أو التعاون الأمني. غير أن نجاح هذه الاستراتيجية سيظل مرهوناً بعوامل تتجاوز الإرادة الفرنسية، في مقدمتها الموقف الأميركي، وتطورات المشهد الداخلي السوري، ومدى استعداد المجتمع الدولي لتمويل إعادة بناء البلاد.

وبين طموحات باريس والوقائع الميدانية، تبدو سوريا اليوم ساحة اختبار جديدة لقدرة فرنسا على استعادة نفوذها في منطقة تغيرت موازين القوى فيها بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة.

- Advertisement -

- Advertisement -