لكل السوريين

ريف دمشق يُنهَك: تهالك البُنى التحتية يعقّد حياة الأهالي

دمشق/ مرجانة إسماعيل

يشهد ريف دمشق حالة متفاقمة من تدهور البُنى التحتية نتيجة سنوات طويلة من الحرب والدمار، ما جعل الحياة اليومية للسكان أكثر صعوبة وتعقيدًا. الطرق مهترئة، شبكات المياه والصرف الصحي متدهورة، والكهرباء غير مستقرة، فيما تحاول البلديات المحلية التعامل مع الوضع رغم محدودية الإمكانيات والموارد.

في قرية الزهراء، تستيقظ السيدة ليلى كل صباح وهي لا تعرف إن كانت المضخة ستعمل لتوزيع الماء. تقول: «آخر أسبوع مياه الشبكة ما نزلت سوى ساعة واحدة في الليل، بعدها صهاريج المياه صار سعرها فوق إمكانياتنا». ليلى ليست وحدها؛ المئات من المنازل تعتمد الآن على الصهاريج أو الآبار البديلة، بعد أن شبكات الكهرباء والمضخات توقفت عن العمل.

في داريا، حيث مضى على ضعف الكهرباء سنوات، يروي خالد، سائق شاحنة صغيرة، كيف انقطعت الكهرباء لساعات طويلة في أيام شديدة الحرارة. «المولدات تعبانه، البنزين غالي، وما في مروحة لتنفس»، يقول خالد. هذا الواقع لا يقتصر على المنازل فقط، بل يؤثر على المحلات التجارية، المصانع الصغيرة، وحتى تحضير الطعام في الصيف.

شبكات الصرف الصحي أيضاً تنهار، خاصة في القرى التي عادت إليها عائلات بعد النزوح. يوسف، من إحدى القرى في الغوطة، يقول: «المطر الأخير أغرق الشارع — المياه القذرة طلعت من المجاري، وما في صرف ولا تنظيف. الأطفال ما بتجرأ يطلعوا يلعبوا». تراكم الأوساخ والمياه الراكدة يعيد إلى الأذهان سنوات الحرب ويزيد من المخاطر الصحية.

بالإضافة إلى الماء والكهرباء، الطرقات في كثير من القرى أصبحت غير صالحة: حفر، مطبات غير مرقّمة، غياب إنارة ليلية. أم عمّار، ربة بيت تعيش في قرية صغيرة قرب دمشق، تقول: «نرجع من السوق بالليل، نمشي على الطريق الضيّق، خايفين سيارتنا تنكسر، أو يولّد شرّ — خاصة إن في أولاد». هذا التدهور ينعكس على الانقطاع عن المراكز الصحية أو تأخير الوصول لها حين يحتاج أحد أفراد العائلة رعاية عاجلة.

أزمة الماء الحادة في الريف تسبّبت أيضاً بانقطاع طويل للمياه، نتيجة تضرّر مضخات الآبار وقدم الشبكات. في إحدى القرى الواقعة شرق داريا، قرر الشاب سامي مع بعض جيرانه أن يشتروا مضخة صغيرة بالمازوت ويعيدوا تنظيف جزء من شبكة المياه بجهود ذاتية. يقول سامي: «نحنا ما بنطر شي من حدا — لما الماء صار عدّة حياة، لازم نحافظ عليه». رغم ذلك، هم يشكون من غلاء الكلفة (مازوت، صيانة)، وبعض العائلات لا تقدر تتحمّل هذه التكاليف، ما يهدد استقرارهم المستقبلي.

المدارس والمستشفيات لم تسلم من آثار الحرب والدمار. فئة كبيرة من المؤسسات التعليمية والصحية تعرضت للتخريب أو تهالك المباني والأثاث، مما يضطر البعض إلى استخدام مرافق متهالكة غير مناسبة لتقديم التعليم أو الرعاية الطبية. ليلى، طالبة جامعية، تقول: «في بعض القرى، الفصول متسعة ولكن المباني متهالكة، والأبواب والنوافذ مكسورة. نتعلم في ظروف صعبة، ومع ذلك نحاول الاستمرار».

في الريف الشمالي لدمشق، قرية صغيرة تعرضت لغارات مباشرة على البنية التحتية قبل سنوات، ما أدى إلى انهيار بعض الجسور والطرق. محمد، شاب يعمل في مركز صحي محلي، يروي: «كان لدينا جسر يصل بين القرية والمدينة، بعد الحرب أصبح شبه مدمّر، ونضطر للالتفاف لمسافة طويلة للوصول إلى المستشفى. بعض الحالات الطارئة تتأخر بسبب ذلك». قصته تعكس التحديات اليومية التي تواجه الأهالي في التنقل والوصول للخدمات الأساسية.

رغم كل هذه الصعوبات، تحاول البلديات المحلية معالجة الوضع بشكل جزئي، من خلال إصلاح بعض الطرق، وإعادة تأهيل شبكات المياه والصرف الصحي، ولكن ضعف الموارد والتمويل يجعل هذه الحلول غير كافية. بعض الأهالي بدأوا بالمبادرة الذاتية، مثل تنظيم مجموعات صيانة محلية للطرق وإصلاح الأعطال البسيطة في شبكات المياه، ولكن هذه الجهود محدودة ولا تغطي كل القرى.

الواقع يؤكد أن تهالك البنى التحتية ليس مجرد مشكلة تقنية، بل له تأثير كبير على حياة السكان اليومية، وعلى الاقتصاد المحلي، وعلى التعليم والصحة، ويؤخر أي جهود جدية لإعادة الإعمار. استمرار الوضع الحالي سيزيد من معاناة الأهالي ويجعل الريف أقل قدرة على الصمود في مواجهة التحديات المستقبلية.

ويشكل تهالك البُنى التحتية بريف دمشق تحدياً حقيقياً يتطلب تدخلاً عاجلاً ومستداماً من السلطات المحلية والمجتمع المدني. تحسين الطرق، وصيانة شبكات المياه والكهرباء، وتأهيل المدارس والمستشفيات، هي خطوات أساسية لإعادة الحياة الطبيعية للسكان وتمكينهم من العيش بكرامة وأمان بعد سنوات طويلة من الدمار.

- Advertisement -

- Advertisement -