لم يكن وصول 23 قطعة أثرية سورية إلى المتحف الوطني في دمشق، على متن الطائرة التي أقلّت الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارته الأخيرة إلى سوريا، مجرد حدث ثقافي عابر، بل حمل أبعادًا سياسية ودبلوماسية تتجاوز قيمة القطع نفسها. فالآثار التي غادرت سوريا عام 2010 ضمن اتفاقية إعارة رسمية إلى معهد العالم العربي في باريس، عادت بعد خمسة عشر عامًا، لتفتح تساؤلات حول مصير آلاف القطع الأثرية السورية الأخرى المنتشرة في الخارج، وحول مستقبل التعاون الدولي في استعادة التراث السوري الذي تعرض لواحدة من أكبر موجات النهب والتدمير خلال سنوات الحرب.
إعارة تحولت إلى غياب طويل
تؤكد المديرية العامة للآثار والمتاحف أن المجموعة كانت قد أُرسلت إلى باريس قبل اندلاع الحرب للمشاركة في المعرض الدائم لمعهد العالم العربي، وكان من المفترض أن تعود إلى سوريا عام 2014 بعد انتهاء فترة الإعارة.
لكن الحرب التي اندلعت عام 2011، وتدهور العلاقات السياسية بين دمشق وباريس، إضافة إلى المخاوف المتعلقة بحماية القطع في ظل الظروف الأمنية، أدت إلى تأجيل عملية الإعادة لأكثر من عقد. ومع استئناف التواصل الرسمي بين البلدين، جاءت إعادة القطع بالتزامن مع زيارة ماكرون إلى دمشق، في خطوة حملت طابعًا رمزيًا يعكس استئناف التعاون الثقافي بين الجانبين.
ليست آثارًا منهوبة
ورغم تداول بعض المنشورات التي تحدثت عن “استعادة آثار سورية مسروقة”، فإن الوقائع تشير إلى أن القطع الـ23 لم تكن ضمن الآثار المنهوبة، بل خرجت من سوريا بشكل قانوني بموجب اتفاقية إعارة رسمية.
وتضم المجموعة آثارًا تعود إلى عصور ما قبل التاريخ، مرورًا بالحضارات المسمارية والنبطية والتدمرية والرومانية والبيزنطية، وصولًا إلى العصرين الأموي والعباسي، ومن بينها قطع من ماري وتدمر وقصر الحير الغربي وقلعة جعبر.
لكن أين بقية الآثار السورية؟
تعيد هذه الخطوة تسليط الضوء على ملف أكثر تعقيدًا، يتمثل في الآثار التي خرجت من سوريا بطرق غير مشروعة خلال سنوات النزاع.
وتشير تقديرات منظمات دولية وتقارير متخصصة إلى أن آلاف القطع الأثرية هُربت من مواقع أثرية سورية منذ عام 2011، مستفيدة من حالة الفوضى وانتشار الحفريات غير القانونية، قبل أن تصل إلى أسواق الفن العالمية أو مجموعات خاصة في أوروبا وأميركا ودول أخرى.
ورغم نجاح السلطات السورية، بالتعاون مع أجهزة دولية، في استعادة عدد محدود من القطع خلال السنوات الماضية، فإن الجزء الأكبر لا يزال مجهول المصير، فيما تحتاج عمليات الاسترداد إلى إثباتات قانونية ووثائق ملكية وإجراءات قضائية قد تمتد لسنوات.
التراث بين السياسة والدبلوماسية
يرى مختصون في شؤون التراث أن إعادة القطع تحمل بعدًا يتجاوز الجانب الثقافي، إذ تعكس استخدام التراث بوصفه أحد أدوات الدبلوماسية الثقافية بين الدول.
فإعادة مقتنيات أثرية غالبًا ما ترافق مراحل إعادة بناء العلاقات السياسية، كما تمنح رسائل تتعلق بالاعتراف بالهوية الثقافية للدول وحقها في استعادة إرثها الحضاري.
وفي الحالة السورية، جاءت الخطوة متزامنة مع أول زيارة لرئيس فرنسي إلى دمشق منذ سنوات، ما منح الحدث بعدًا سياسيًا واضحًا إلى جانب قيمته الثقافية.
هل تكون البداية؟
يطرح ملف الآثار السورية سؤالًا أكبر من عودة 23 قطعة فقط: هل تشكل هذه الخطوة بداية لمسار أوسع لاستعادة التراث السوري الموجود خارج البلاد؟
ويرى متابعون أن نجاح أي جهود مستقبلية سيعتمد على تعزيز التعاون مع المتاحف العالمية، وتوثيق المجموعات الأثرية السورية، وتفعيل الاتفاقيات الدولية الخاصة بمكافحة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية، إلى جانب ملاحقة شبكات تهريب الآثار التي نشطت خلال سنوات الحرب.
وبينما استعادت سوريا جزءًا صغيرًا من إرثها الحضاري، يبقى ملف الآثار المفقودة مفتوحًا، باعتباره أحد أكثر ملفات الحرب السورية تعقيدًا، ليس فقط لما يمثله من قيمة مادية، بل لأنه يرتبط بذاكرة البلاد وهويتها التاريخية التي تعرضت لضرر بالغ خلال أكثر من عقد من الصراع.