لكل السوريين

الاعترافات الدولية بدولة فلسطين.. أسبابها وإمكانية تفعيلها

لطفي توفيق

وسط موجة من الاعترافات بدولة فلسطين، انطلق في نيويورك المؤتمر الدولي لتسوية القضية الفلسطينية بالسبل السلمية وتنفيذ حل الدولتين، تحت رئاسة مشتركة بين السعودية وفرنسا. وأعلنت فرنسا وبلجيكا ولوكسمبورغ ومالطا وموناكو وأندورا، اعترافها بالدولة الفلسطينية بعد يوم من اعتراف بريطانيا وكندا وأستراليا والبرتغال بها، وبلغ عدد الدول التي اعترفت بدولة فلسطين أكثر من 150 من أصل 193 دولة عضوا بالأمم المتحدة.

وأثارت هذه الاعترافات موجة واسعة من ردود الفعل المتباينة على الصعيد السياسي الشعبي،

ففي الوقت الذي اعتبرها مسؤولون فلسطينيون خطوة مهمة على الصعيدين القانوني والسياسي، وصفها محللون إسرائيليون بأنها “مكافأة للإرهاب تهدد أمن إسرائيل وتعزز التطرف”.

وظهرت بين الإسرائيليين مواقف متناقضة، حيث اعتبر بعضهم أن حل الدولتين قد يكون ضماناً للأمن والسلام، بينما عبّرت أصوات متطرفة عن مواقف رافضة لوجود الفلسطينيين ودعت إلى إبادتهم.

وبدوره، اعتبر الأمين العام للأمم المتحدة أن حل الدولتين “يتسق مع القانون الدولي، ويحظى بتأييد المجتمع الدولي والجمعية العامة”.

وشدد غوتيريش، في كلمته أمام المؤتمر، على أنه لا سلام في الشرق الأوسط بدون حل الدولتين، وقال “إن إقامة دولة للفلسطينيين ليس مكافأة بل هي حق لهم”، وطالب بأن تكون مدينة القدس عاصمة للدولتين الفلسطينية والإسرائيلية.

منع عباس دخول نيويورك

منعت السلطات الأميركية الرئيس الفلسطيني محمود عباس وفريقه من دخول الولايات المتحدة لحضور مؤتمر نيويورك الدولي، ومن المرجح أن القرار الأميركي قد استند على مجموعة من الذرائع، منها ملاحقة السلطة الفلسطينية لإسرائيل جنائياً، وحث دول العالم على الاعتراف بالدولة الفلسطينية.

وحسب مراقبين، جاء القرار الأميركي كرد فعل على السلطة الفلسطينية، لأنها لم تستنكر عملية طوفان الأقصى، ولم تبذل جهداً كافياً لإخراج حركة حماس من المنظومة السياسية الفلسطينية، في حين لم تخفِ السلطة نيتها بذلك، عندما اشترطُت التزام كافة الفصائل الفلسطينية بمخرجات اتفاق أوسلو، مما يغلق الباب أمام مشاركة حماس بهذه المنظومة.

كما جاء القرار الأميركي في سياق ضغط واشنطن على السلطة لانتزاع ورقة “المقاومة الشعبية السلمية” من يدها.

كما أن واشنطن لا تريد للسلطة أن تكون محركاً للاعترافات الدولية بفلسطين، ولذلك تمارس واشنطن تكتيكات “أقصى الضغوط” على السلطة، لتجريدها من أورقها، وانتزاع التنازل تلو الأخر منها، حتى لا يبقى لها ما يمكن أن تفعله.

الاعتراف البريطاني

مع أن اعتراف بريطانيا بدولة فلسطينية جاء كمحاولة من رئيس وزرائها لإحياء دورها كقوة دبلوماسية فعالة في الشرق الأوسط، وهو أول زعيم بريطاني يسعى إلى دور قيادي في عملية السلام في فلسطين منذ عقود.

ومع أن هذا الاعتراف لن يغيّر الوضع القانوني لفلسطين داخل الأمم المتحدة، ولكنه يحمل رسائل سياسية قوية، ويعيد تفعيل الجهود الأوروبية لإحياء حل الدولتين، ويبرز حجم التباين بين السياسات الأميركية والأوروبية تجاه الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

ويشير إلى دلالات سياسية مهمة، لأن بريطانيا كانت أول من مهّد لإقامة كيان لليهود على تراب فلسطين من خلال وعد بلفور عام 1917.

كما أن تصويت بريطانيا وفرنسا في الأمم المتحدة لصالح فلسطين يشكل خطوة مهمة تعكس التزاماً أخلاقياً تجاه الفلسطينيين، ويقوي موقفهم السياسي في أي مفاوضات مستقبلية، ويفتح المجال أمام مشاركتهم بشكل واسع في المحافل الدولية.

وحسب مراقبين، سيؤدي إلى الاعتراف بجوازات السفر الفلسطينية، دون أن يؤثر على نظام اللجوء والهجرة المعتمد في بريطانيا، إذ سيظل السفر خاضعا لنظام التأشيرات الحالي.

هروب إلى الأمام

يعكس التحرك الأوروبي للاعتراف بدولة فلسطين في هذا التوقيت، حجم الحرج الذي تعيشه حكومات هذه الدول أمام شعوبها، في ظل التجويع والموت البطيء الذي يطال الفلسطينيين في قطاع غزة، دون أن تحرّك تلك الدول ساكناً.

ويرى مراقبون أن الشعوب الأوروبية باتت تطالب حكوماتها باتخاذ موقف واضح أمام الإبادة الجماعية والتجويع الممنهج، في وقت تستمر فيه إسرائيل في ضرب القوانين الدولية ومواثيق حقوق الإنسان عرض الحائط.

ويشيرون إلى أن خطوة الاعتراف بدولة فلسطين جاءت بمثابة محاولة “هروب للأمام” للظهور بموقف المتضامن بعد فوات الأوان.

ورغم ذلك لا تخلو هذه الاعترافات من  آثار إيجابية، إذ ستجبر الدول المعترفة على التعامل مع كيان فلسطيني ذي سيادة، بما يمنحه القدرة على المطالبة بحقوقه في المحافل الدولية بشكل رسمي وقانوني.

وستضع تلك الدول أمام مسؤوليات جديدة للضغط على الاحتلال لضمان الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني ووقف الاستيطان، مقابل الاستقرار في المنطقة.

وقد تزيد من الضغوط على حكومة بنيامين نتنياهو لوقف الحرب في قطاع غزة، وإجبارها على الانخراط في مسار تسوية في ظل انسداد الأفق السياسي وفشل الخيارات الدبلوماسية التقليدية.

تفعيل الاعترافات

لاشك في أن الاعترافات الدولية بالدولة الفلسطينية مهمة على الصعيد القانوني، فهي تؤكد حق الفلسطينيين في إقامة دولتهم، ولكن لا بد من تحويل هذه الاعترافات إلى حقائق ميدانية قابلة  للتنفيذ من خلال وضع استراتيجية فلسطينية تتضمن إعلان فلسطين دولة تحت الاحتلال، والقيام بحملة سياسية ودبلوماسية واسعة لمطالبة المجتمع الدولي بالاعتراف رسمياً بدولة حدودها معروفة ومعترَف بها، وربط هذا الاعتراف بمطالب إزالة الاحتلال وفقاً للقوانين الدولية.

ولن يتحقق ذلك إلّا بتوحيد الصف الفلسطيني، وصياغة استراتيجية وطنية واحدة تخاطب الرأي العام العالمي لتظهر موقفاً فلسطينياً متماسكاً، ومواصلة النضال القانوني والسياسي، لتفعيل هذا الاعتراف والحصول على استحقاقاته.

ودون ذلك، ستبقى هذه الاعترافات بلا قيمة حقيقية، وتبقى المطالبة بها مجرد شعارات هزيلة.

إذ لا يكفي مجرد اعتراف دولي إذا لم يتبع بخطوات عملية تخلق واقعاً جديداً، فإسرائيل لا تلتزم بالقرارات الدولية إلّا إذا كانت تصب في مصلحتها، وتضرب بها عرض الحائط إذا تضاربت مع طموحاتها في التوسع على حساب الدول المجاورة، وليس على الأراضي الفلسطينية فقط.

- Advertisement -

- Advertisement -