أثار إعلان الحرس الثوري الإيراني تنفيذ هجوم استهدف ما وصفه بـ”مركز قيادة للعمليات الخاصة” التابع للجيش الأميركي في منطقة التنف جنوب شرقي سوريا، مقابل النفي السوري الرسمي لوقوع أي استهداف أو وجود قوات أميركية في القاعدة، موجة من التساؤلات حول أبعاد هذه الرواية وتوقيتها، في ظل متغيرات إقليمية متسارعة وإعادة رسم موازين النفوذ في المنطقة.
ويكتسب الإعلان الإيراني أهمية خاصة، إذ جاء بعد يوم واحد فقط من إعلان السلطات السورية إحباط محاولة تهريب شحنة أسلحة وصواريخ نوعية عبر الحدود العراقية، قالت دمشق إن وجهتها النهائية كانت حزب الله في لبنان، وهو ما دفع مراقبين إلى الربط بين الحدثين واعتبارهما جزءاً من تصعيد سياسي وإعلامي يتجاوز البعد العسكري المباشر.
رسائل تتجاوز الميدان
يرى الباحث في الشأن السوري أيمن علوان أن الإعلان الإيراني لا يمكن قراءته باعتباره خبراً عسكرياً فحسب، بل يحمل رسائل سياسية موجهة إلى دمشق في مرحلة تشهد تحولاً واضحاً في موقعها الإقليمي.
ويشير علوان إلى أن توقيت الإعلان يتزامن مع تصاعد الحديث عن دور سوري محتمل في معالجة ملف سلاح حزب الله ضمن ترتيبات إقليمية جديدة، موضحاً أن هذا الدور، وإن لم يكن عسكرياً، قد يساهم في إنهاء نفوذ الجماعات المسلحة خارج سلطة الدولة في لبنان، بما ينعكس مباشرة على النفوذ الإيراني في المنطقة.
ويضيف أن طهران تحاول من خلال الإعلان التأكيد أنها ما زالت تمتلك أوراق ضغط، وأنها قادرة على توجيه رسائل ردع إلى دمشق إذا ما مضت في سياسات تتعارض مع المصالح الإيرانية، لافتاً إلى أن خسارة النفوذ في لبنان ستكون ضربة استراتيجية لإيران بعد تراجع حضورها في سوريا.
ويؤكد علوان أن أهمية الحدث لا تكمن في إثبات وقوع الهجوم من عدمه، بل في مضمون الرسالة السياسية التي حملها الإعلان الإيراني، معتبراً أن طهران تسعى إلى إظهار استعدادها لاستهداف أي مشروع يكرس الاستقرار في سوريا إذا كان على حساب نفوذها الإقليمي.
تشكيك في الرواية الإيرانية
في المقابل، يشكك الخبير الأمني والاستراتيجي العميد الركن عبد الله الأسعد في صحة الرواية الإيرانية، مؤكداً أن قاعدة التنف لم تعد تضم قوات أو تجهيزات عسكرية أميركية منذ انسحاب القوات الأميركية الكامل من سوريا مطلع العام الجاري.
ويقول إن السيطرة على القاعدة انتقلت إلى الحكومة السورية بعد الانسحاب الأميركي، الأمر الذي يجعل الحديث عن استهداف مركز قيادة أميركي أو تدمير تجهيزات عسكرية داخلها غير منسجم مع الواقع الميداني.
ويرى أن الإعلان الإيراني جاء لصرف الأنظار عن قضية شحنة الأسلحة التي أعلنت دمشق ضبطها، وإظهار إيران بمظهر الطرف الذي يواصل مواجهة الولايات المتحدة، رغم انتهاء الوجود العسكري الأميركي في سوريا.
ويضيف أن قاعدة التنف تحتفظ بأهمية استراتيجية بسبب موقعها على المثلث الحدودي السوري العراقي الأردني، إذ تمثل نقطة لوجستية وعسكرية مهمة، إلا أن ذلك لا يجعلها هدفاً يرتبط مباشرة بالأمن القومي الإيراني.
سوريا وإيران… مرحلة جديدة
ويعكس التباين بين الروايتين الإيرانية والسورية حجم التحول الذي طرأ على العلاقة بين دمشق وطهران خلال الأشهر الأخيرة، في ظل توجه سوريا نحو تعزيز علاقاتها الإقليمية والدولية، وابتعادها تدريجياً عن المحور الإيراني.
ويرى مراقبون أن إعلان الحرس الثوري يأتي في إطار محاولة الحفاظ على حضور سياسي وإعلامي في الساحة السورية بعد تراجع النفوذ العسكري، بالتزامن مع الضغوط التي تواجهها إيران في ملف حزب الله، والحديث المتزايد عن ترتيبات أمنية جديدة في لبنان.
كانت وزارة الداخلية السورية أعلنت، الخميس الماضي، إحباط محاولة تهريب شحنة أسلحة وصواريخ نوعية عبر الحدود السورية العراقية، مؤكدة أن التحقيقات الأولية أظهرت أن وجهتها النهائية كانت حزب الله في لبنان.
وفي المقابل، كانت القوات الأميركية قد أنهت وجودها العسكري في سوريا بشكل كامل مع نهاية فبراير/شباط 2026، بعد انسحابها من قاعدة التنف وآخر مواقعها العسكرية في محافظتي الحسكة، منهية بذلك وجوداً عسكرياً استمر سنوات ضمن إطار عمليات التحالف الدولي.