السوري ـ درعا
عاد الجامع العمري في مدينة درعا إلى دائرة الاهتمام الثقافي والتراثي، بعد إدراجه على قوائم التراث التابعة لمنظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة «إيسيسكو»، في خطوة تعكس الاعتراف الدولي بقيمته التاريخية والدينية، وتؤكد مكانته باعتباره أحد أقدم المعالم الإسلامية في بلاد الشام، ورمزاً ارتبط بمحطات مفصلية في تاريخ سوريا الحديث.
ويعد إدراج الجامع على قوائم المنظمة محطة جديدة في مسار حماية التراث السوري، إذ يفتح المجال أمام برامج متخصصة في الترميم والتوثيق والحفاظ على الهوية المعمارية للموقع، إلى جانب تعزيز حضوره ضمن الخارطة الثقافية الإسلامية.
اعتراف بقيمة تمتد لثلاثة عشر قرناً
يرى الباحث في شؤون التراث محمد الشحمة، في حديث خاص لـصحيفة السوري، أن إدراج الجامع العمري على قوائم «إيسيسكو» يمثل اعترافاً رسمياً بقيمته الحضارية والتاريخية، لافتاً إلى أن المسجد يعود تاريخ إنشائه إلى نحو ثلاثة عشر قرناً، ما يجعله من أقدم الجوامع الإسلامية التي شُيدت بعد الفتح الإسلامي لبلاد الشام.
ويؤكد الشحمة أن هذا الاعتراف يمنح جهود صون الجامع بعداً دولياً، من خلال توسيع فرص التعاون مع المؤسسات المتخصصة في حماية التراث، والاستفادة من برامج الدعم الفني والتدريب وتبادل الخبرات في مجالات الترميم والمحافظة على المواقع التاريخية.
فرص للحماية والترميم
ويشير الشحمة إلى أن إدراج الجامع ضمن قوائم «إيسيسكو» لا يقتصر على الجانب الرمزي، بل يحمل فوائد عملية تتمثل في توفير برامج متخصصة لإعادة التأهيل وفق المعايير الدولية، بما يضمن الحفاظ على الطابع المعماري الأصيل للمسجد، ومنع أي تعديلات قد تؤثر في هويته التاريخية.
كما يسهم الإدراج في إعداد ملفات توثيق علمية متكاملة ترصد المراحل التي مر بها الجامع منذ تأسيسه في العصر الراشدي، مروراً بالعصور الأموية والأيوبية والمملوكية والعثمانية، وصولاً إلى العصر الحديث، فضلاً عن تعزيز فرص إدراجه ضمن المشاريع الثقافية والسياحية ذات الطابع الإسلامي.
شاهد على تاريخ حوران
ويُعد الجامع العمري من أبرز المعالم التاريخية في جنوب سوريا، إذ تشير المصادر التاريخية إلى أن بناءه يعود إلى عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قبل أن يشهد توسعات وترميمات متعاقبة حافظت على طابعه الإسلامي الأصيل.
ولا تزال مئذنته المربعة، وأقواسه الحجرية، وسقوفه المقببة، شاهدة على تطور العمارة الإسلامية في حوران، حيث تمتزج فيها ملامح الفنون الأيوبية والمملوكية مع الأسس الأولى للبناء الإسلامي.
ولم يكن الجامع عبر تاريخه مكاناً للعبادة فحسب، بل شكّل مركزاً للحياة الدينية والعلمية والاجتماعية، واحتضن حلقات العلم وتحفيظ القرآن الكريم، وأسهم في تخريج أجيال من العلماء والفقهاء الذين تركوا بصمتهم في المنطقة.
رمز للثورة والصمود
واكتسب الجامع العمري بعداً وطنياً استثنائياً مع انطلاق الثورة السورية في آذار/مارس 2011، حين تحول إلى نقطة انطلاق أولى المظاهرات الشعبية المطالبة بالحرية، وأصبح رمزاً للحراك الشعبي في محافظة درعا.
وخلال سنوات الحرب تعرض الجامع لأضرار كبيرة نتيجة القصف، كان أبرزها تدمير مئذنته التاريخية في عام 2013، قبل أن تبدأ لاحقاً أعمال ترميم واسعة لإعادة إحياء هذا المعلم الذي ارتبط في ذاكرة السوريين ببدايات الثورة، إلى جانب مكانته الدينية والتاريخية.
ويمثل إدراج الجامع العمري على قوائم «إيسيسكو» اليوم أكثر من مجرد تصنيف تراثي؛ فهو اعتراف بأهمية أحد أبرز المعالم الإسلامية في سوريا، ورسالة تؤكد أن حماية التراث لا تنفصل عن الحفاظ على الذاكرة الوطنية، وأن الجامع العمري سيبقى شاهداً على تاريخ حوران، وإرثها الحضاري، ومحطة مفصلية في تاريخ السوريين الحديث.