لكل السوريين

فسيفساء الخشب الدمشقية.. إرثٌ يتوارثه الصابرون ويبحث عن شباب يحميه من الاندثار

في قلب دمشق، حيث يختلط عبق التاريخ بروح الحاضر، ما تزال ورشات صغيرة في الأزقة العتيقة تحفظ سرّ حرفة نادرة قاومت تقلبات الزمن: فن الفسيفساء الخشبية الدمشقية، أو ما يعرف محليًا بـ”الموزاييك الشامي”. هذه الحرفة التي شكّلت طوال قرون رمزًا للهوية الجمالية للمدينة، تواجه اليوم خطر الزوال مع انحسار عدد المشتغلين بها وعزوف الشباب عنها.

تاريخ حرفة تجاوز الزمن

نشأت الفسيفساء الخشبية في دمشق خلال العهد العثماني، وازدهرت مع ازدياد الاهتمام بالفنون التزيينية في المنازل الدمشقية التقليدية. وسرعان ما أصبحت علامة مميزة للأثاث الدمشقي، وزيّنت القصور والمساجد والبيوت الدمشقية ذات الطابع العربي الأصيل.

وكانت هذه الحرفة تُورّث من جيل إلى آخر عبر علاقة المعلم والتلميذ، حتى باتت جزءًا من الهوية الثقافية، لا مجرد مهنة لكسب لقمة العيش.

دقة.. وصبر.. وبصمة فنية لا تتكرر

يعتمد هذا الفن على تجميع مئات وربما آلاف القطع الصغيرة من خشب الجوز والورد والليمون والأبنوس، مع دمج قطع من عرق اللؤلؤ والصدف أحيانًا، ليتم تكوين زخارف هندسية متناظرة بدقة مذهلة.

ويقول حرفيون إن إعداد لوح صغير قد يستغرق أسابيع، أما القطع الكبيرة مثل الطاولات والقباب الخشبية فقد تحتاج إلى عدة أشهر من العمل المتواصل، ما يجعل كل قطعة عملًا فريدًا لا يمكن تكراره حرفيًا.

دمشق القديمة.. آخر القلاع الحافظة للحرفة

تتركز الورش في باب توما وباب شرقي والميدان والعمارة، حيث يمكن للمارّ أن يتابع هذه العملية الفنية خطوة بخطوة:

قصّ، تركيب، لصق، ضغط، صقل وتلميع

خطوات تتناوب عليها الأيدي الخبيرة حتى تتشكل تحف فنية تُصدّر أحيانًا إلى الخارج لمحبي الفنون الشرقية.

عائلة الحموي.. إرث يُعاند الاندثار

في إحدى الورش الصغيرة في باب توما، لا يزال الأخوان إيلي وجهاد الحموي يعملان على إحياء هذا الفن الذي ورثاه عن والدهما منذ نحو ستة عقود.

يقول إيلي (66 عامًا):

“هذه المهنة تحتاج إلى صبر وفن ووقت طويل، لذلك لا يرغب أولادي في تعلمها. أشعر بالحزن لأنني قد أكون آخر السلسلة”.

أما شقيقه جهاد، فيوضح أن قيمة المنتج الفني لم تعد تقدّر كما في السابق:

“التجار يريدون تحفًا جاهزة وبأسعار زهيدة. قطعة واحدة قد تستغرق منا ثلاثة أشهر… اليد التي تحوّل الخشب إلى فن لا تقدّر بثمن”.

ويشير إلى أنهم تلقوا سابقًا عروضًا للعمل خارج سوريا، لكن والدهم أصر على البقاء للحفاظ على الإرث العائلي الذي وصل يومًا إلى أسواق أوروبا.

تحديات تهدد الحرفة بالزوال

تواجه الصناعة اليوم سلسلة من العقبات:

ارتفاع أسعار الخشب المستورد وندرة بعض أنواعه

الانقطاع المتكرر للكهرباء الذي يعطل الآلات

التحول نحو الإنتاج التجاري السريع بدلاً من الأعمال اليدوية

عزوف الشباب عن العمل بالحرف التقليدية لصعوبتها وقلة مردودها

غياب الدعم والحماية الرسمية لهذه الحرفة التراثية

ويرى خبراء التراث أن فقدان هذه المهنة سيعد خسارة للهوية الثقافية السورية، نظرًا لفرادتها عالميًا.

أمل معقود على الجيل الجديد

يناشد الحرفيون الجهات الثقافية والتعليمية لإعادة إدخال المهن التقليدية ضمن برامج التدريب المهني والفني، وتنظيم معارض دولية ومحلية تشجع الحرفيين وتفتح لهم أسواقًا أوسع.

كما يأملون أن يعي الشباب أن هذه الحرفة ليست مجرد عمل شاق، بل فن عريق يحمل روح دمشق وتاريخها.

ورغم كل ما يحيط بها من صعوبات، تبقى فسيفساء الخشب الدمشقية شاهدًا حيًا على جمال مدينة لا تفقد سحرها. وفي كل قطعة تُنجز هنا، ينبض الخشب بروح التاريخ، ويعلو صوتٌ خافت يقول:

لن تنطفئ دمشق طالما بقي في ورشاتها من يحفر الجمال بإزميل الصبر والإبداع.

- Advertisement -

- Advertisement -