لكل السوريين

آثار دير الزور بين النهب والإهمال.. نقص الإمكانات يهدد إرثاً حضارياً عمره آلاف السنين

لا تزال المواقع الأثرية في محافظة دير الزور تواجه تحديات كبيرة بعد سنوات من الحرب والصراع، في ظل استمرار آثار أعمال النهب والتخريب التي طالت عدداً من أبرز المواقع التاريخية، وسط نقص حاد في الكوادر والإمكانات اللازمة لحمايتها والحفاظ عليها.

ويؤكد مسؤولون وباحثون في قطاع الآثار أن المحافظة، التي تضم مواقع تُعد من أهم الشواهد الحضارية في سوريا والمنطقة، تحتاج اليوم إلى خطة متكاملة لإعادة تأهيل المواقع الأثرية، وتعزيز إجراءات الحماية، وتوفير الموارد البشرية واللوجستية اللازمة لمنع أي تعديات جديدة.

مواقع أثرية تعرضت لنهب واسع

وقال مدير الآثار والمتاحف في دير الزور، خطاب السايح، إن معظم المواقع الأثرية في المحافظة تعرضت خلال السنوات الماضية لعمليات تنقيب غير قانونية وسرقات واسعة، ولا سيما خلال فترة سيطرة تنظيم “داعش”، إضافة إلى الأضرار التي لحقت بها خلال سنوات الصراع.

وأوضح أن مواقع أثرية بارزة، من بينها دورا أوروبوس وماري ومواقع أخرى في منطقة الكسرة، شهدت أعمال حفر عشوائية وأنفاقاً واسعة بهدف استخراج اللقى الأثرية، مشيراً إلى أن بعض المواقع تعرضت لاستغلال منظم، حيث جرى تقسيم مناطق التنقيب مقابل مبالغ مالية، في حين امتدت التعديات إلى إقامة أبنية داخل الحرم الأثري في بعض المواقع.

تراجع التعديات… لكن المخاطر مستمرة

وبحسب السايح، تراجعت خلال الفترة الأخيرة وتيرة الاعتداءات على المواقع الأثرية، بعد تكثيف الرقابة الأمنية وتوقيف عدد من المتورطين في عمليات التنقيب غير المشروع، الأمر الذي ساهم في الحد من هذه الظاهرة، إلا أن الخطر لا يزال قائماً في ظل اتساع رقعة المواقع الأثرية وصعوبة مراقبتها بشكل دائم.

وأشار إلى أن مديرية الآثار تعاني نقصاً كبيراً في أعداد الحراس، إلى جانب الحاجة إلى مهندسين وفنيين وكوادر متخصصة، فضلاً عن نقص وسائل النقل والآليات التي تمكن الفرق الميدانية من متابعة أوضاع المواقع المنتشرة في أنحاء المحافظة.

وأضاف أن حماية الآثار لا تقتصر على الإجراءات الأمنية، بل تتطلب أيضاً تعاون المجتمع المحلي، من خلال نشر الوعي بأهمية الإرث الثقافي، وإشراك الوجهاء والمخاتير والمؤسسات التعليمية والدينية في جهود الحفاظ على المواقع الأثرية.

إمكانات محدودة

ويصف مدير الآثار واقع المديرية بأنه يعاني من ضعف شديد في الإمكانات، موضحاً أن الموارد المتاحة لا تكفي لتلبية الاحتياجات الأساسية، الأمر الذي ينعكس على أعمال المتابعة والصيانة والتوثيق.

وأشار إلى أن المواقع الأثرية كانت قبل سنوات تستقطب بعثات تنقيب دولية وآلاف الزوار، وهو ما وفر دخلاً اقتصادياً للسكان المحليين وأسهم في تنشيط الحركة التجارية والسياحية، إلا أن هذا النشاط توقف إلى حد كبير نتيجة الظروف التي مرت بها المحافظة.

المتحف… ضحية سنوات الحرب

من جانبه، قال الباحث الآثاري ياسر شوحان إن متحف دير الزور تعرض لأضرار كبيرة خلال سنوات الحرب، بعدما طالت القصف مبناه، وألحقت أضراراً بالقاعات والأسقف والنوافذ، قبل أن يُستخدم لاحقاً لأغراض عسكرية، ما تسبب بتدهور حالته.

وأوضح أن السلطات قامت عام 2014 بنقل عدد من القطع الأثرية الموجودة في المتحف إلى دمشق بهدف حمايتها، إلا أن المعلومات المتعلقة بعددها وحالتها لا تزال محدودة.

خسائر كبيرة في المواقع الأثرية

وأشار شوحان إلى أن تقارير متخصصة وثقت تعرض عدد من أهم المواقع الأثرية في المحافظة لعمليات تنقيب غير قانونية واسعة.

ففي موقع دورا أوروبوس، رُصدت مئات الحفر الناتجة عن أعمال التنقيب، بينما تعرضت أجزاء واسعة من الموقع لأضرار كبيرة، كما سجلت أعمال حفر ونهب في موقع مملكة ماري، طالت القصر الملكي وعدداً من المعابد التاريخية.

ولم تقتصر الأضرار على تلك المواقع، إذ شهد موقع تل البصيرة أيضاً عمليات تجريف وتنقيب غير مشروع، في حين أظهرت صور الأقمار الصناعية تعرض نسبة كبيرة من المواقع التراثية والدينية في مدينة دير الزور لأضرار متفاوتة نتيجة العمليات العسكرية التي شهدتها المنطقة.

تهريب منظم للآثار

ويشير الباحث إلى أن وثائق عُثر عليها سابقاً كشفت عن وجود شبكات منظمة لتهريب الآثار خلال فترة سيطرة تنظيم “داعش”، حيث فرض التنظيم رسوماً على عمليات التنقيب والاتجار باللقى الأثرية، ما وفر له مورداً مالياً مهماً، وأدى إلى خروج عدد كبير من القطع الأثرية من البلاد عبر طرق التهريب.

الحاجة إلى خطة إنقاذ

ويرى مختصون أن حماية آثار دير الزور لم تعد تقتصر على منع أعمال النهب، بل تتطلب استراتيجية شاملة تشمل تأمين الكوادر المتخصصة، وتوفير الحراس والمعدات، وإعادة تأهيل المتحف والمواقع المتضررة، إلى جانب استئناف أعمال التوثيق والتنقيب العلمي، بما يسهم في الحفاظ على أحد أهم الموروثات الحضارية في سوريا.

ويؤكدون أن استعادة الدور الثقافي والسياحي للمواقع الأثرية في دير الزور تمثل استثماراً في الهوية الوطنية والتنمية الاقتصادية، باعتبارها جزءاً من ذاكرة البلاد وإرثها الحضاري الممتد لآلاف السنين.

- Advertisement -

- Advertisement -