تقرير/ حسن الشيخ
لم يعد الهاتف المحمول مجرد وسيلة للاتصال، بل أصبح نافذة واسعة على العالم الرقمي تحمل في طياتها فرصاً هائلة للتعلم والمعرفة، وفي الوقت ذاته تهديدات خفية لصحة الطفل وسلوكه النفسي والاجتماعي. خلال السنوات الأخيرة تصاعدت المخاوف من تنامي ظاهرة تعلق الأطفال بالهواتف المحمولة بشكل مفرط، حتى باتت الأجهزة الذكية تحتل مساحة واسعة من وقتهم على حساب اللعب والتعلم والتفاعل الاجتماعي المباشر.
أولى المخاطر تتمثل في الآثار الصحية، إذ أن الاستخدام المطوّل للهاتف يؤدي إلى مشاكل في النظر بسبب التعرض المستمر للشاشات المضيئة، إضافة إلى آلام في الرقبة والظهر نتيجة الجلوس لساعات طويلة في وضعيات خاطئة. كما أن قلة الحركة المرتبطة بالانشغال بالأجهزة تزيد من احتمالية الإصابة بالسمنة وأمراض العصر المرتبطة بالخمول.
أما على الصعيد النفسي والسلوكي، فإن الإفراط في استخدام الهواتف يخلق حالة من العزلة والانطواء، حيث ينغمس الطفل في الألعاب الإلكترونية أو شبكات التواصل على حساب تفاعله مع عائلته وأقرانه. وقد أظهرت دراسات عديدة أن تعلق الأطفال بالهواتف يقترن بارتفاع مستويات القلق والتوتر واضطراب النوم، فضلاً عن ضعف القدرة على التركيز والتحصيل الدراسي. كما أن تعرضهم لمحتويات غير مناسبة أو مؤثرة سلباً في القيم الأخلاقية يشكل خطراً بالغاً على تكوين شخصياتهم في المراحل الأولى من العمر.
من زاوية أخرى، يساهم الاستخدام غير المنضبط للهواتف في إضعاف القدرات التواصلية والاجتماعية لدى الأطفال، حيث تحل الشاشات محل الحوار المباشر والتفاعل الواقعي، ما ينعكس سلباً على قدرتهم على التعبير عن الذات وتكوين الصداقات. وهنا تتعاظم الحاجة إلى دور الأسرة والمجتمع في رسم حدود واضحة لهذا الاستخدام.
تلعب العائلة الدور المحوري في حماية الطفل من الانغماس غير الصحي في الهواتف المحمولة. فمن خلال وضع قواعد زمنية محددة لاستخدام الأجهزة، وتشجيع الأنشطة البديلة كالمطالعة، والرياضة، والألعاب الجماعية، يمكن للأهل أن يخلقوا توازناً يحمي أبناءهم من الإفراط. كما أن المراقبة الإيجابية البعيدة عن أسلوب المنع القسري تساعد على توجيه الطفل نحو المحتوى التعليمي والترفيهي المفيد. ومن المهم أن يكون الأهل قدوة حسنة في تعاملهم مع التكنولوجيا، إذ لا يمكن مطالبة الطفل بالاعتدال فيما يراه مبالغاً عند والديه.
أما على صعيد المجتمع والمؤسسات التعليمية، فيبرز دور المدرسة والمراكز الثقافية في تعزيز الوعي بخطورة التعلق الرقمي. يمكن إدماج برامج تثقيفية حول الاستخدام الآمن للتكنولوجيا ضمن المناهج الدراسية، إضافة إلى إقامة ورش عمل للأهل والأطفال معاً لتبادل الخبرات حول أساليب التعامل مع هذه الظاهرة. كما تقع على عاتق الإعلام المحلي مسؤولية نشر التوعية بخطر الإدمان الرقمي، وتشجيع مبادرات مجتمعية توفر بدائل حقيقية للهواتف، مثل الأنشطة الرياضية والفنية والترفيهية التي تشجع التفاعل الواقعي وتبني شخصية متوازنة.
في المحصلة… الهاتف المحمول أداة عصرية لا يمكن الاستغناء عنها، لكن سوء استخدامها قد يحولها إلى عبء ثقيل على مستقبل الأجيال الناشئة. لذا فإن الحل يكمن في ترشيد الاستخدام وتعاون الأسرة والمجتمع معاً في بناء ثقافة رقمية سليمة، تحافظ على صحة الطفل النفسية والجسدية وتمنحه فرصة للنمو في بيئة آمنة ومتوازنة.