لم تترك سنوات الحرب الطويلة في سوريا حجراً على حجر، ولم تقتصر آثارها على الدمار المادي والنزوح القسري، بل امتدت لتطال التعليم، الذي يعتبر أحد الركائز الأساسية لبناء المستقبل، خصوصاً في الأرياف مثل ريف الرقة. فالكثير من الفتيات اضطررن إلى ترك مقاعد الدراسة لسنوات طويلة، ما أحدث فجوة تعليمية واسعة يصعب ردمها بسهولة، وأدى إلى تراجع في الطموح الأكاديمي لعدد كبير من الأسر. ومع ذلك، لم تفقد العائلات الريفية الأمل في استعادة حق بناتهن بالتعلم، بل لجأت إلى الدورات والمعاهد الخاصة كوسيلة بديلة لإحياء ما انقطع، على الرغم من التحديات المادية والاجتماعية الكثيرة.
في إحدى قرى ريف الرقة الشمالي، تروي المربية “عليا الحسين” قصة ابنتها التي اضطرت إلى ترك المدرسة ثلاث سنوات متتالية بفعل الحرب. تقول “بعد عودة الاستقرار النسبي، لم نجد بديلاً سوى تسجيلها في دورة تعليمية خاصة لتعويض ما فاتها. كنت أشعر أن السنوات تضيع من عمرها، لكننا لم نملك خياراً آخر… واليوم أراها تعود لتكتب وتقرأ بثقة، وهذا يعطيني أملاً كبيراً”. إلا أن “عليا” تعترف بأن تكاليف الدورات أصبحت عبئاً ثقيلاً على الأسرة، خصوصاً مع محدودية الدخل الذي يعتمد على الزراعة والعمل اليومي.
وتُعد الإمكانيات المادية المحدودة أحد أبرز الصعوبات التي تواجه الأسر في الأرياف. فالدورات والمعاهد الخاصة تتطلب رسوماً شهرية قد لا تستطيع الغالبية تحملها، ما يضطر بعض الأسر إلى الاكتفاء بإرسال بعض الأبناء إلى المدارس أو الدورات، بينما تُحرم بقية الأطفال من التعليم، وغالباً ما تكون الفتيات أول من يُستبعدن. ومع ذلك، هناك أسر تصر على منح بناتها فرصة التعليم، كما تؤكد الأم “سوسن العلي”: “لا أريد أن تبقى ابنتي رهينة الماضي، حتى لو اضطررت للاستدانة، سأرسلها إلى الدورة. التعليم هو الشيء الوحيد الذي يمكن أن يعوضها عما خسرناه في الحرب”.
وتضيف “سوسن” أن الفتاة ليست مجرد خيار ثانوي، بل يجب الاستثمار في تعليمها لأنه ليس رفاهية، بل ضرورة لبناء مجتمع متوازن. غير أن قضية الخصوصية ما زالت تمثل عائقاً في المجتمعات الريفية، حيث تتحفظ بعض العائلات على إرسال بناتها إلى المعاهد البعيدة أو المختلطة. وفي هذا السياق، تفضل كثير من الأمهات وجود معلمات إناث أو إقامة الدورات بالقرب من القرى لتوفير بيئة آمنة ومريحة للفتيات، وتقليل المخاوف المرتبطة بالتحرك لمسافات بعيدة.
رغم هذه التحديات، لم تغب قصص النجاح عن المشهد التعليمي في ريف الرقة. الشابة “سارة”، على سبيل المثال، عادت إلى التعليم بعد انقطاع دام أربع سنوات، والتحقت بدورة محلية نظمتها مجموعة من المعلمات لتستعيد مستواها الدراسي. اليوم، تنتظر نتائج امتحانات الثانوية العامة وتأمل في إكمال دراستها الجامعية. تقول “كنت أظن أن مستقبلي انتهى، لكن وجود من يؤمن بنا أعاد لي الثقة”. قصتها تمثل نموذجاً واضحاً لما يمكن أن تحققه الإرادة والإصرار، رغم صعوبة الظروف.
إلا أن الطريق ما يزال طويلاً أمام النساء الريفيات. ضعف الدعم المؤسسي، قلة الإمكانيات، واستمرار بعض العادات الاجتماعية التي تقلل من شأن تعليم الفتاة، كلها عوامل تجعل مهمة استعادة التعليم أشبه بمعركة يومية. ومع ذلك، تحمل هذه المعركة في طياتها أملاً كبيراً، لأنها تعكس إرادة لا تُكسر بسهولة ورغبة حقيقية في تغيير الواقع وإعادة بناء المستقبل.
وفي هذا الإطار، تشير بعض الدراسات الميدانية إلى أن التعليم للفتيات في الأرياف ليس مجرد حق فردي، بل يمثل استثماراً مجتمعياً، إذ يسهم في رفع مستوى الوعي الصحي والاجتماعي والاقتصادي، ويشكل قوة دافعة للنهوض بالمجتمع بعد سنوات الحرب الطويلة. لذلك، تؤكد الجمعيات المحلية والجهات الفاعلة في مجال التعليم على ضرورة دعم الدورات التعليمية المحلية، وتوفير منح أو تخفيضات للطلاب الذين فقدوا سنوات تعليمهم بسبب النزاعات، مع مراعاة الخصوصية الثقافية والاحتياجات النفسية للفتيات.
في النهاية، يظل موضوع تعليم الفتيات في ريف الرقة نموذجاً مصغراً لمعركة أكبر تواجهها سوريا بعد الحرب، حيث تتقاطع التحديات المادية والاجتماعية والنفسية. ورغم كل العقبات، تظل قصص الإصرار والنجاح مثل قصة “سارة” شهادة حية على أن إرادة المرأة الريفية قادرة على تجاوز الصعاب، وإعادة إشعال شعلة التعليم والأمل في القرى التي طالها الظلام الطويل.