درعا/ رجاء مختار
في شقة متواضعة بوسط مدينة درعا، لا تتجاوز غرفتها الثلاث مساحة للحركة، يعيش خمسة طلاب جامعيين قادمين من ريف المحافظة. الغرفة الواحدة تضم سريرين ومكتباً مهترئاً، أما المطبخ فشاهد على معاناتهم اليومية: كيس من الأرز، علب من الفول، وزيت يكاد لا يكفي لأسبوع.
هنا، يحكي أحمد، طالب في السنة الثالثة بكلية الهندسة، كيف أن حلم التعليم العالي تحول إلى كابوس اقتصادي يهدد بإفشال مسيرته الأكاديمية. “جئت إلى الجامعة وأنا أحمل حلم أهلي بأن أصبح مهندساً، ولكنني اليوم أفكر في الانسحاب أكثر مما أفكر في امتحاناتي”، يقول أحمد بينما يعدّ وجبة الغداء التي لا تحتوي سوى على الأرز والعدس.
قصة أحمد ليست سوى حلقة في سلسلة معاناة يعيشها آلاف الطلاب الجامعيين في محافظة درعا، حيث تلتقي تحديات الحرب الممتدة مع أزمة اقتصادية طاحنة تجعل من استكمال التعليم رفاهية لا يقدر عليها الكثيرون.
في عام 2025، لم يعد همّ الطالب هو الحصول على أعلى الدرجات أو المنافسة على المقاعد العليا، بل كيف يؤمن أجار السكن، وثمن المواصلات، وثمن الكتاب الجامعي، وقيمة وجبة الطعام التي قد تكون الوحيدة في يومه. لقد تحولت الجامعة من مكان للعلم والمعرفة إلى ساحة للصراع من أجل البقاء.
التكاليف ترسم صورة قاتمة: أجار غرفة بسيطة لا تقل عن 500 ألف ليرة سورية شهرياً، وهو مبلغ يعادل راتب موظف حكومي. أما المواصلات من الريف إلى المدينة، فقد أصبحت كابوساً آخر مع ارتفاع سعر المحروقات إلى مستويات قياسية، حيث يضطر الكثيرون إلى السير على الأقدام لمسافات تصل إلى عشرات الكيلومترات.
أحد الطلاب من بلدة الشيخ مسكين يقول: “أترك البيت الساعة الخامسة صباحاً لأصل إلى المحاضرة الساعة الثامنة، أمشي أكثر من ساعتين يومياً لأنني لا أملك ثمن المواصلات”. هذه الرحلة الشاقة لا تنتهي عند باب الجامعة، بل تمتد إلى قاعات المحاضرات التي تفتقر إلى التدفئة في الشتاء والتبريد في الصيف، وإلى مكتبات لا تحتوي على كتب حديثة، ومختبرات بأجهزة معطلة.
الوجبات الغذائية أصبحت رفاهية لا يستطيعها الكثيرون. تقول مريم، طالبة في كلية الآداب: “قبل الحرب، كنا نأكل في مطعم الجامعة وجبة متكاملة بسعر زهيد. اليوم، الوجبة الواحدة لا تقل عن 30 ألف ليرة، وهو مبلغ لا أملكه لأيام متتالية”.
الكثيرون يعتمدون على الخبز الجاف مع الزيتون أو المربى كوجبة رئيسية، بينما يختفي اللحم والفواكه من قوائم طعامهم لأشهر. هذه التغذية غير الصحية تنعكس سلباً على تركيزهم وقدرتهم على التحصيل العلمي، حيث يقول طالب في الطب: “كيف أذاكر وأنا جائع؟ كيف أفكر في المستقبل وأنا لا أملك ثمن المواصلات للعودة إلى قريتي في العطلة؟”.
المعاناة لا تقتصر على الجانب المادي، بل تمتد إلى النفسي والمعنوي. الضغط النفسي الناجم عن الخوف من الفصل بسبب عدم القدرة على دفع الرسوم، أو بسبب التغيب المتكرر الناتج عن عدم توفر المواصلات، يخلق جيلاً من الشباب يعاني من الإحباط واليأس.
أحد الأساتذة في الجامعة، يطلب عدم ذكر اسمه، يقول: “أشاهد طلابي ينهارون أمامي. البعض ينام في القاعات لأنه لم ينم الليل بسبب العمل المسائي، والبعض الآخر يتغيب عن الامتحانات لأنه لا يملك ثمن الدواء لعلاج ألم بسيط”. هذه الصورة تكرّس لفجوة طبقية بين طلاب يستطيعون الاعتماد على دعم عائلي وطلاب يعتمدون على أنفسهم في ظل غياب أي دعم حكومي أو منظماتي فعال.
غياب الدعم الرسمي يزيد الأزمة تعقيداً. فبرامج المنح الدراسية شبه معدومة، والمساعدات المقدمة من خلال صندوق الطالب لا تكفي حتى لشراء الكتب، ناهيك عن تأمين السكن أو الطعام.
أحد المسؤولين في الاتحاد الوطني لطلبة سوريا يعترف بأن “الإمكانيات محدودة جداً، والطلاب يدفعون الثمن”. في المقابل، تنتشر ظاهرة العمل المسائي بين الطلاب، حيث يعملون في أعمال شاقة مثل البناء أو النقل أو الخياطة لساعات طويلة مقابل أجر زهيد، مما يؤثر على صحتهم ومستواهم الدراسي.
هذه الأوضاع تدفع بعض الطلاب إلى اتخاذ قرارات صعبة، البعض يلجأ إلى الاقتراض بفوائد مرتفعة، والبعض الآخر يضطر إلى الانسحاب من الجامعة والبحث عن عمل دائم، بينما يختار قلة الهجرة غير الشرعية كملاذ أخير.
طالب في السنة الأخيرة من كلية الحقوق يقول: “درست أربع سنوات، ولكنني أخشى ألا أستطيع إكمال الامتحانات النهائية لأنني لا أملك ثمن طباعة الرسالة”. هذه الخيارات الصعبة تهدد بضياع جيل كامل من الكفاءات، وتعمق الفجوة التعليمية في المجتمع.
لذا فإن قضية طلاب الجامعة في درعا ليست مجرد قضية اقتصادية، بل هي قضية إنسانية وتعليمية تمس مستقبل المنطقة بأكملها. استمرار هذه الأوضاع يعني حرمان المجتمع من طاقات شبابه، وتعزيز دائرة الفقر والجهل. من دون تدخل عاجل لتأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة الكريمة للطلاب، فإن شهادات التخرج ستبقى حبراً على ورق، وحلم التعليم سيكون ضحية جديدة لأزمة لا تبدو لها نهاية في الأفق.