لم يعد الذهب في مناسبات الزواج السورية كما كان سابقًا، فالمعدن الذي ارتبط لسنوات بصورة العروس واحتفالات الزواج، بدأ يتراجع حضوره تدريجيًا أمام واقع اقتصادي فرض على الأسر والشباب إعادة ترتيب الأولويات.
وبينما كانت “تلبيسة العروس” تُعد رمزًا أساسيًا من رموز الزواج ومظهرًا من مظاهر التقدير الاجتماعي، باتت اليوم تخضع لحسابات دقيقة، بعد ارتفاع أسعار الذهب وتراجع القدرة الشرائية، ما دفع كثيرًا من العائلات إلى الاكتفاء بكميات محدودة أو استبدال القطع الثقيلة بمصاغ أخف وزنًا وأقل كلفة.
العروس بين العادة والقدرة المادية
في السابق، كانت تجهيزات الذهب للعروس تتصدر قائمة التحضيرات، وتتنوع بين الأساور والعقود والأقراط والخواتم، وغالبًا ما كانت ترتبط بمكانة العائلة وقدرتها على تقديم ما يُعرف اجتماعيًا بـ“التلبيسة”.
لكن التغيرات الاقتصادية الأخيرة فرضت واقعًا مختلفًا، فأصبحت العروس وأسرتها أمام معادلة جديدة تجمع بين الحفاظ على رمزية الذهب وبين عدم تحميل الأسرة أعباء مالية كبيرة.
ويقول عاملون في سوق الصاغة إن الطلب على المشغولات الذهبية الثقيلة تراجع بشكل واضح، مقابل زيادة الإقبال على القطع الخفيفة التي تحقق الغرض الاجتماعي بتكلفة أقل، خاصة مع ارتفاع سعر الغرام وتراجع القدرة الشرائية.
الذهب يفقد دوره الاحتفالي ويحتفظ بقيمته الاقتصادية
ورغم تراجع حضور الذهب كجزء من مظاهر الزواج، فإنه لم يغب تمامًا عن حياة الأسر السورية، بل تغير دوره.
فبعد أن كان مرتبطًا بالزينة والمناسبات، بات يُنظر إليه بشكل أكبر كوسيلة لحفظ القيمة في ظل الظروف الاقتصادية وتقلبات الأسعار، وهو ما دفع بعض العائلات إلى تفضيله ضمن المهر أو المؤخر بدل المبالغ النقدية.
ويرى مختصون في الأحوال الشخصية أن تحديد المهر بالذهب أصبح أكثر انتشارًا، بسبب المخاوف من تراجع قيمة العملة مع مرور الوقت، إذ يمنح ذلك الزوجة نوعًا من الضمان المالي ويحافظ على قيمة الحق المتفق عليه بين الطرفين.
دعوات لتخفيف أعباء الزواج
ومع ارتفاع تكاليف الزواج عمومًا، تتزايد الدعوات الاجتماعية للتخفيف من المبالغة في متطلبات الزواج، ومن بينها كمية الذهب المقدمة للعروس.
ويرى ناشطون اجتماعيون أن العادات المرتبطة بالذهب تحولت في بعض الحالات من مناسبة للفرح إلى ضغط اقتصادي على الشباب وعائلاتهم، معتبرين أن تقليل التكاليف لا يعني التخلي عن قيمة العادات، بل محاولة جعل الزواج أكثر قدرة على الاستمرار في ظل الظروف الحالية.
ويؤكدون أن الأولوية يجب أن تكون لبناء أسرة مستقرة، بعيدًا عن المنافسة الاجتماعية أو المقارنة بين العائلات، خصوصًا أن ارتفاع تكاليف الزواج أصبح أحد العوامل التي تؤثر في قرارات كثير من الشباب.
صياغة جديدة لعلاقة المرأة السورية بالذهب
اليوم لا تختفي صورة الذهب من حياة المرأة السورية، لكنها تتغير. فبدل أن يكون معيارًا لحجم الاحتفال، أصبح مرتبطًا أكثر بالقدرة الاقتصادية والاختيارات الواقعية.
وبين الحفاظ على قيمة العادة ومواجهة تحديات المعيشة، يبدو أن “تلبيسة العروس” تمر بمرحلة إعادة تعريف، حيث تتحول من مظهر اجتماعي واسع إلى خيار محسوب يراعي ظروف الأسرة والمرأة ومستقبلها الاقتصادي.