لكل السوريين

المرأة السورية… من شريكة في الحياة إلى عماد الأسرة في زمن الأزمات

لم يعد خروج المرأة السورية إلى سوق العمل استثناءً أو خياراً شخصياً كما كان في السابق، بل أصبح بالنسبة لآلاف الأسر ضرورة فرضتها سنوات الحرب، والانهيار الاقتصادي، والنزوح، والهجرة، وفقدان مصادر الدخل. ففي ظل هذه التحولات، تبدلت أدوار المرأة داخل الأسرة والمجتمع، لتنتقل من المساهمة في تحسين مستوى المعيشة إلى تحمل مسؤولية إعالة الأسرة وإدارة شؤونها اليومية.

في المدن والبلدات والقرى السورية، تتكرر المشاهد ذاتها؛ نساء يعملن في الحقول الزراعية، ويقدن سيارات الأجرة، ويرعين الأغنام، وينقلن البضائع في الأسواق، ويفتتحن مشاريع صغيرة، أو يعملن في المهن الحرفية والخدمية، في محاولة لتأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة.

هذا التحول لم يكن نتيجة تغير اجتماعي طبيعي، بل جاء استجابة لواقع اقتصادي قاسٍ فرض على المرأة اقتحام مجالات كانت حتى سنوات قليلة مضت تُعد حكراً على الرجال.

أدوار جديدة فرضتها الضرورة

في أحد أسواق الخضار، تبدأ سميرة (أم محمد) يومها قبل شروق الشمس. تحمل صناديق الخضار وتنقلها بين المحال التجارية، في عمل يحتاج إلى جهد بدني كبير، لكنه أصبح مصدر الدخل الوحيد لأسرتها.

تقول إن الظروف المعيشية لم تترك لها خيارات كثيرة، مضيفة أن مشقة العمل تبقى أقل قسوة من الوقوف عاجزة عن تأمين احتياجات أطفالها.

وفي ريف الرقة، تمضي عبلة (أم عبد الرحمن) ساعات طويلة في رعي الأغنام والاعتناء بالقطيع، وهي مهنة ارتبطت لعقود بالرجال، لكنها أصبحت بالنسبة لها الوسيلة الوحيدة للحفاظ على مصدر رزق الأسرة بعد تغير ظروفها المعيشية.

أما نضال، فتتنقل بين البساتين والحقول الزراعية مع مواسم الحصاد وقطف الثمار، بحثاً عن أي فرصة عمل توفر دخلاً يساعدها على مواجهة أعباء الحياة. وتؤكد أن العمل الزراعي، رغم قسوته، منحها شعوراً بالاعتماد على النفس والقدرة على دعم أسرتها.

وفي المدينة، اختارت حياة (أم عبد الله) طريقاً مختلفاً، حيث تعمل سائقة سيارة أجرة بين شوارع المدينة، لتصبح واحدة من النساء اللواتي دخلن قطاع النقل، متحدية النظرة التقليدية للمهنة، وساعات العمل الطويلة، وصعوبات التعامل اليومي مع الركاب.

تحولات اجتماعية عميقة

وترى الدكتورة سمر حبيب علي، المتخصصة في علم الاجتماع، أن المجتمع السوري شهد خلال السنوات الأخيرة تغيرات بنيوية أعادت رسم الأدوار داخل الأسرة، وكانت المرأة في قلب هذه التحولات.

وتوضح أن تراجع القوة الشرائية وارتفاع معدلات الفقر وفقدان كثير من الأسر لمصادر دخلها، جعل الاعتماد على معيل واحد أمراً غير ممكن بالنسبة لعدد كبير من العائلات.

وتقول إن عمل المرأة لم يعد يقتصر على تحسين مستوى المعيشة، بل أصبح في كثير من الحالات الضامن الأساسي لاستمرار الأسرة، وتأمين احتياجاتها من الغذاء والتعليم والرعاية الصحية.

وتضيف أن المرأة السورية تحولت تدريجياً إلى شريك رئيسي في اتخاذ القرارات الاقتصادية داخل الأسرة، وفي حالات كثيرة أصبحت المعيل الوحيد بعد فقدان الزوج أو هجرته أو غيابه بسبب ظروف الحرب.

النزوح والهجرة… تغيير في بنية الأسرة

وأدت سنوات النزوح والهجرة إلى تسريع هذا التحول، بعدما وجدت آلاف النساء أنفسهن مسؤولات عن إدارة الأسرة بالكامل، وتأمين الدخل، ورعاية الأطفال، ومتابعة الإجراءات الإدارية والإغاثية، إلى جانب تحمل الأعباء النفسية والاجتماعية.

وتشير الدكتورة سمر إلى أن كثيراً من النساء نجحن في إدارة ما يمكن وصفه بـ”اقتصاد الأزمة”، عبر إعادة ترتيب أولويات الإنفاق، والاستفادة من الموارد المحدودة، والحفاظ على تماسك الأسرة رغم الضغوط المتزايدة.

تحديات لا تنتهي

ورغم اتساع حضور المرأة في سوق العمل، فإن الطريق ما يزال مليئاً بالتحديات.

فانخفاض الأجور، وارتفاع تكاليف النقل، وغياب الحضانات، وضعف الحماية القانونية، وعدم توفر بيئات عمل آمنة، كلها عوامل تزيد من صعوبة حياة النساء العاملات، ولا سيما في القطاع الخاص والأعمال غير المنظمة.

كما تواجه كثير من النساء أحكاماً اجتماعية مسبقة عند دخولهن مهن لم تكن مألوفة بالنسبة لهن، إلا أن نجاح العديد منهن في إثبات كفاءتهن ساهم تدريجياً في تغيير نظرة المجتمع، وتحويل الاستغراب إلى قبول واحترام.

التمكين يبدأ من الفرصة

وتؤكد الدكتورة سمر أن تمكين المرأة لا يتحقق بمجرد إصدار القوانين أو إطلاق الشعارات، بل يبدأ بتوفير فرص عمل عادلة، وضمان المساواة في الأجور، وتأمين بيئات عمل آمنة، وإتاحة الفرصة للمرأة لاتخاذ قراراتها الاقتصادية والمهنية بحرية واستقلالية.

كما تشدد على أهمية دور الإعلام في تقديم صورة واقعية للمرأة السورية، بعيداً عن الصور النمطية التي تختزلها في دور الضحية أو تقدمها بصورة مثالية بعيدة عن الواقع، داعية إلى تسليط الضوء على قصص النجاح اليومية لنساء استطعن تجاوز الظروف القاسية وبناء مستقبل أفضل لأسرهن.

ركيزة المجتمع في زمن الأزمات

وبين ضغوط المعيشة، وغلاء الأسعار، وتراجع فرص العمل، تستمر المرأة السورية في أداء أدوار تتجاوز حدود المسؤولية التقليدية داخل الأسرة.

فهي اليوم مزارعة، وعاملة، وسائقة، وصاحبة مشروع، ومعلمة، وطبيبة، وممرضة، وحرفية، ومديرة لاقتصاد الأسرة في آن واحد.

لقد فرضت الأزمات على المرأة السورية أدواراً جديدة، لكنها في المقابل أثبتت قدرتها على التكيف والصمود، لتصبح في كثير من البيوت الركيزة الأساسية التي تقوم عليها الأسرة، وشريكاً رئيسياً في الحفاظ على استقرار المجتمع، ورسم ملامح مرحلة جديدة عنوانها الاعتماد على الذات رغم قسوة الظروف.

- Advertisement -

- Advertisement -