لكل السوريين

الحمامات القديمة في سوريا.. إرثٌ عمراني يحكي تاريخ المدن وذاكرة أهلها

لا تزال الحمامات العامة القديمة في سوريا شاهدة على حقب تاريخية متعاقبة، إذ لم تكن مجرد أماكن للاستحمام، بل شكلت على مدى قرون مراكز اجتماعية وثقافية ارتبطت بالحياة اليومية للسوريين، وأسهمت في ترسيخ العادات والتقاليد الشعبية التي ما زال بعضها قائماً حتى اليوم.

وتنتشر الحمامات التاريخية في عدد من المدن السورية، وفي مقدمتها دمشق وحلب وحمص وحماة، حيث تعود أصول كثير منها إلى العهدين الأيوبي والمملوكي، قبل أن تشهد توسعات وترميمات خلال العصر العثماني، لتصبح جزءاً من الهوية العمرانية للمدن القديمة.

ويعد حمام نور الدين الشهيد في دمشق من أبرز هذه المعالم التاريخية، إذ شُيّد في القرن السادس الهجري على يد السلطان العادل نور الدين محمود زنكي، ويُعد من أقدم الحمامات التي ما زالت تحتفظ بطابعها المعماري الإسلامي. ويقع الحمام في قلب دمشق القديمة، ويتميز بقبابه الحجرية المزودة بفتحات زجاجية تسمح بدخول الضوء الطبيعي، إلى جانب هندسته التي تعتمد على التدرج الحراري بين الأقسام المختلفة.

ويتألف الحمام التقليدي من ثلاثة أقسام رئيسية هي البراني، وهو صالة الاستقبال وتبديل الملابس، ثم الوسطاني الذي يهيئ الزائر للانتقال التدريجي إلى الحرارة المرتفعة، وأخيراً الجواني الذي يضم غرف البخار والمياه الساخنة، في تصميم هندسي يعكس تطور العمارة الإسلامية واهتمامها بالراحة والصحة العامة.

ولعبت الحمامات الشعبية دوراً اجتماعياً مهماً في المجتمع السوري، إذ كانت مكاناً للقاءات العائلية وتبادل الأخبار، كما ارتبطت بمناسبات اجتماعية مثل الاحتفال بالعروس قبل الزفاف، واستقبال المواليد الجدد، وبعض المناسبات الدينية، ما منحها مكانة خاصة في الذاكرة الشعبية.

ويرى باحثون في التراث أن الحمامات القديمة تمثل نموذجاً متقدماً لإدارة المياه والطاقة في العصور الإسلامية، حيث اعتمدت على أنظمة دقيقة لتسخين المياه وتوزيع الحرارة، وهو ما يعكس مستوى متقدماً من المعرفة الهندسية في ذلك الوقت.

ورغم ما تعرضت له بعض الحمامات التاريخية من أضرار خلال السنوات الماضية نتيجة الحرب والإهمال، فإن عدداً منها لا يزال يعمل بعد عمليات ترميم، بينما ينتظر آخرون تنفيذ مشاريع للحفاظ عليها وإعادتها إلى الحياة، بوصفها جزءاً من التراث الثقافي السوري.

ويؤكد مختصون في شؤون الآثار أن الحفاظ على الحمامات القديمة لا يقتصر على ترميم مبانيها، بل يشمل أيضاً توثيق الممارسات والعادات المرتبطة بها، باعتبارها موروثاً ثقافياً غير مادي يعكس أسلوب الحياة في المدن السورية عبر مئات السنين.

وتواصل هذه الحمامات، وفي مقدمتها حمام نور الدين الشهيد، استقطاب الزوار والمهتمين بالتراث، لما تمثله من قيمة تاريخية ومعمارية، ولما تحمله من قصص وذكريات تختزل جانباً مهماً من تاريخ المجتمع السوري، لتبقى شاهداً حياً على حضارة عريقة استطاعت أن تحافظ على حضورها رغم تغير الأزمنة.

- Advertisement -

- Advertisement -