شهدت محافظة السويداء الفترة الأخيرة، تزايدًا ملحوظًا في معدلات السرقات والاعتداءات على الممتلكات العامة والخاصة، وسط شكاوى متزايدة من الأهالي بشأن تراجع الواقع الأمني واستمرار هذه الحوادث دون إجراءات تحد من تكرارها.
ويأتي هذا الخلل في الحال الأمنية في وقت باتت فيه بعض الخدمات الأساسية تتأثر بشكل مباشر بهذه الاعتداءات على الممتلكات.
وكان الرئيس الروحي لطائفة الموحدين الدروز، حكمت الهجري، أعلن في نيسان الماضي، حل “اللجنة القانونية العليا” وتشكيل “مجلس الإدارة في جبل باشان”، مكلفًا القاضي شادي مرشد بمهمة تشكيله.
ولا تزال السويداء خارج سلطة الحكومة السورية، منذ أحداث تموز 2025، ويسيطر عليها أمنيًا “الحرس الوطني” المدعوم من قبل الهجري.
ماذا شملت التعديات في السويداء
طالت أبرز التعديات شبكة الاتصالات في المحافظة، إذ تعرضت خلال الفترة الماضية لسلسلة من عمليات السرقة والتخريب استهدفت الكابلات الأرضية في عدد من المناطق، بينها طريق الثعلة، ومساكن الخضر، ومنطقة الكوم، وحي الجلاء، والطريق العريض، وطريق الرحى، ومفرق مصاد، ومنطقة مشحم المرود.
ووصلت التعديات إلى الطريق الواصل بين دوار الشرطة العسكرية ودوار الباشا (الباسل سابقًا)، وفقًا لمراسلة عنب بلدي في السويداء.
وأدت هذه الاعتداءات إلى انقطاع خدمات الهاتف والإنترنت عن آلاف المشتركين في مدينة السويداء وريفها، فيما اضطرت الورش الفنية إلى إعادة مد الكابلات، وإصلاح الأعطال أكثر من مرة بعد تكرار استهداف بعض المواقع، ولا سيما طريق الثعلة الذي تعرض للسرقة مجددًا بعد فترة قصيرة من إعادة الخدمة إليه.
وامتد تأثير السرقات إلى الخدمات الحيوية، بعدما تعرض الكابل المغذي لخط الطوارئ في فوج إطفاء السويداء للسرقة، ما تسبب بخروج الرقم “113” عن الخدمة مؤقتًا، واضطر الفوج إلى تعميم أرقام بديلة لاستقبال بلاغات المواطنين إلى حين إصلاح العطل.
ولا تقتصر الاعتداءات على البنية التحتية، إذ يسجل الأهالي بشكل شبه يومي حوادث سرقة دراجات نارية وسيارات في مناطق مختلفة من المحافظة، وفق شكاوى متداولة عبر صفحات محلية ووسائل التواصل الاجتماعي.
وعززت هذه الاعتداءات والتعديات، من الشعور بعدم الاستقرار لدى الأهالي، خاصة مع صعوبة استعادة المسروقات في كثير من الحالات، ما دفع إلى تصاعد المطالب بتكثيف الدوريات الأمنية وتعزيز حماية المرافق العامة والخاصة.
توقيف 350 مطلوبًا
قال رئيس “مجلس إدارة السويداء” القاضي شادي مرشد، خلال لقائه وفدًا من أهالي المحافظة، مطلع حزيران الماضي لبحث الحالة الأمنية وتفعيل الضابطة العدلية بثته منصة “جيثرو برس” المحلية، إن السويداء “بحالة طوارئ لإدارة الأزمة وليست في وضع مثالي”.
وأضاف خلال اللقاء إن قيادة الشرطة أوقفت خلال الأشهر الثمانية الماضية نحو 350 مطلوبًا للعدالة بجهود 60 عنصرًا فقط، موضحًا أن العناصر يداومون دون رواتب، في حين لا تمتلك مخافر الشرطة في المحافظة أي سيارة شرطة، كما تعاني من غياب الموازنة التشغيلية.
واعتبر أن هذه التحديات تحد من قدرة الأجهزة الأمنية على أداء مهامها، رغم أن السويداء تعد، بحسب قوله، من الأقل من حيث نسبة الجرائم.
وفي ظل هذه التطورات دعا مرشد إلى اجتماع في مدرج مبنى محافظة السويداء، في 28 من حزيران، ضم عددًا من قادة المجموعات المحلية ومجموعة من الأهالي، لبحث آليات تعزيز الأمن في المحافظة وتنظيم التعاون مع قوى الأمن الداخلي، في محاولة للحد من حالة الانفلات الأمني التي تشهدها المحافظة خلال الفترة الأخيرة.
وناقش الاجتماع عددًا من المقترحات، أبرزها :
اختيار عدد من أبناء المجموعات المحلية للانضمام إلى مرتبات قوى الأمن الداخلي (التابعة للحرس الوطني بالسويداء) بعد استكمال الإجراءات اللازمة، بما يتيح لهم المشاركة في المهام الأمنية ضمن إطار رسمي.
تفعيل لجان الأحياء وتعزيز دورها في متابعة الواقع الأمني، ودعم “مؤسسة الحرس الوطني”.
مرشد: الأمن مسؤولية الجميع
قال مرشد خلال الاجتماع مع الأهالي، إن مسؤولية حفظ الأمن تقع على عاتق الجميع، مؤكدًا أهمية التعاون بين المؤسسات الرسمية والمجتمع المحلي للوصول إلى حالة من الاستقرار وتعزيز قدرة الجهات المعنية على مواجهة التحديات الأمنية.
ولم يسفر الاجتماع عن قرارات تنفيذية معلنة أو جدول زمني لتطبيق المقترحات، في وقت يترقب فيه الأهالي خطوات عملية تحسن واقع المحافظة الأمني.
انفلات أمني وحالات قتل
تشهد محافظة السويداء حالة واسعة من الانفلات الأمني وحالات القتل خلال الفترة الأخيرة، حيث سُجلت عدة حوادث قتل في مناطق مختلفة من المحافظة، تنوعت بين إطلاق نار مباشر، أو حوادث جنائية ناتجة عن خلافات شخصية، إضافة إلى حالات ارتبطت بمحاولات سرقة أو عمليات تصفية حسابات.
هذا التصاعد لم يقتصر على تسجيل أرقام جديدة من الضحايا، بل خلق حالة عامة من القلق والخوف بين الأهالي، الذين باتوا يشعرون بأن الأمن لم يعد مضمونًا، وأن أي تفصيل في حياتهم اليومية قد يتحول إلى حادثة عنف.
وأصبح تجنب الخلافات خيارًا اضطراريًا، خوفًا من تطورها إلى استخدام السلاح.
هذه الحالة من عدم الاستقرار الأمني ليست جديدة، ولم تكن نتيجة مباشرة لأحداث تموز الماضي فقط، بل هي امتداد لتراكمات سابقة لم تعالج حتى باتت حالة يصعب احتواؤها.
وتُعود أسبابها إلى الانتشار غير المنضبط للسلاح، وضعف سيطرة القانون، وتعدد المجموعات والعصابات المحلية المسلحة، إضافة إلى عوامل اجتماعية وأسرية.