لكل السوريين

إعادة إعمار سوريا تعيد رسم العلاقات مع لبنان.. الاقتصاد يتقدم على السياسة

تتجه العلاقات السورية – اللبنانية نحو مرحلة جديدة يتصدرها التعاون الاقتصادي، بعد سنوات طغت فيها الملفات السياسية والأمنية على طبيعة العلاقة بين البلدين. ويبرز ملف إعادة إعمار سوريا بوصفه أحد أهم محركات هذا التحول، مع تزايد الرهان على دوره في تنشيط الاقتصادين السوري واللبناني وفتح آفاق جديدة للاستثمار والتجارة.

ويأتي هذا المسار في ظل انفتاح متبادل بين دمشق وبيروت، تُرجم بلقاء الرئيس الشرع، الثلاثاء، وزير الاقتصاد والتجارة اللبناني عامر البساط في دمشق، بحضور وزير الاقتصاد والصناعة السوري نضال الشعار. وبحث الجانبان سبل تعزيز التعاون الاقتصادي، وتطوير التبادل التجاري، وتنسيق الجهود بين المؤسسات الاقتصادية، في خطوة تعكس انتقال العلاقات الثنائية إلى مرحلة أكثر ارتباطًا بالمصالح الاقتصادية.

وأكدت وكالة الأنباء السورية (سانا) أن المباحثات تناولت آليات توسيع التعاون الاقتصادي بما يخدم مصالح البلدين، في وقت تشهد فيه المنطقة متغيرات تفتح المجال أمام إعادة بناء الشراكات الاقتصادية بعد سنوات من الجمود.

إعادة الإعمار فرصة للاقتصاد اللبناني

ينظر لبنان إلى إعادة إعمار سوريا باعتبارها فرصة اقتصادية تتجاوز المشاركة في مشاريع البناء، لتشمل استعادة دوره كمركز للخدمات اللوجستية والمالية والتجارية في المشرق العربي.

ويتمتع القطاع الخاص اللبناني بخبرة واسعة في مجالات المقاولات والهندسة والاستشارات والخدمات المصرفية والتأمين، ما قد يمنحه فرصًا للمشاركة في مشاريع إعادة الإعمار، إذا توفرت بيئة استثمارية مستقرة وإطار قانوني واضح داخل سوريا.

كما تأمل بيروت أن يسهم تعافي الاقتصاد السوري في تنشيط قطاعات النقل والمرافئ والخدمات، وتوفير فرص عمل جديدة، في ظل الأزمة الاقتصادية التي يشهدها لبنان منذ سنوات.

دمشق تراهن على الاستثمارات والتكامل

في المقابل، تسعى دمشق إلى استقطاب رؤوس الأموال والخبرات اللبنانية، والاستفادة من شبكة علاقات رجال الأعمال اللبنانيين مع الأسواق العربية والدولية، بما يدعم جهود التعافي الاقتصادي ويعزز تنوع مصادر الاستثمار.

ويأتي ذلك امتدادًا لما أعلنه الرئيس أحمد الشرع خلال الأشهر الماضية بشأن بناء علاقات مع لبنان تقوم على التعاون الاقتصادي والمصالح المشتركة، إلى جانب إحراز تقدم في ملفات الطاقة والبنية التحتية.

كما عززت زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بيروت، مطلع يوليو الجاري، هذا التوجه، بعدما اتفق الجانبان على تشكيل “اللجنة العليا السورية – اللبنانية” لتكون إطارًا مؤسسيًا يتابع تنفيذ الاتفاقات الاقتصادية ومعالجة الملفات الثنائية.

النقل والطاقة في صدارة الأولويات

ويتصدر قطاع النقل البري قائمة الملفات المطروحة، إذ تسعى بيروت إلى إعادة فتح مسارات التصدير عبر الأراضي السورية نحو الأردن ودول الخليج، بما يسهم في خفض تكاليف النقل ويعزز تنافسية الصادرات اللبنانية.

أما دمشق، فترى في استعادة حركة الترانزيت فرصة لإحياء دورها كممر إقليمي يربط شرق المتوسط بالأسواق الخليجية، بما يوفر عائدات اقتصادية ويدعم حركة التجارة الإقليمية.

ويمتد التعاون المحتمل إلى مشاريع الربط الكهربائي، وتطوير شبكات نقل الطاقة، وإحياء خطوط النفط والغاز، في إطار توجه إقليمي لتعزيز التكامل في قطاع الطاقة.

الموانئ والقطاع المالي

وتبرز الموانئ اللبنانية، ولا سيما مرفآ بيروت وطرابلس، كأحد أبرز المستفيدين من مشاريع إعادة الإعمار، إذ يمكن أن تتحول إلى مراكز رئيسية لاستقبال المعدات ومواد البناء الموجهة إلى سوريا، بما ينعكس على حركة الشحن والخدمات اللوجستية.

كما قد تستعيد المؤسسات المالية اللبنانية جزءًا من دورها في تمويل التجارة والاستثمارات الإقليمية، في حال استكملت إصلاحاتها واستعادت ثقة المستثمرين.

فرص مشروطة

ورغم الفرص الاقتصادية التي تتيحها إعادة إعمار سوريا، فإن تحقيق نتائج ملموسة يبقى مرتبطًا بعدة عوامل، أبرزها استقرار الأوضاع الأمنية، واستمرار الانفتاح العربي والدولي على دمشق، ووضوح التشريعات المنظمة للاستثمار، إلى جانب قدرة لبنان على تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية والمالية المطلوبة.

ويرى مراقبون أن العلاقات السورية – اللبنانية تدخل مرحلة جديدة تتقدم فيها المصالح الاقتصادية على الاعتبارات السياسية، في ظل الحاجة المشتركة إلى تنشيط التجارة والاستثمار وتعزيز التكامل الاقتصادي. وفي حال نجحت التفاهمات القائمة في التحول إلى مشاريع عملية، فقد تشكل إعادة إعمار سوريا نقطة انطلاق لشراكة اقتصادية أكثر استقرارًا، تسهم في دعم التنمية وإعادة تنشيط الحركة الاقتصادية في المشرق العربي.

- Advertisement -

- Advertisement -