في مسعى جديد لإعادة إحياء حل الدولتين وإنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، استضافت الأمم المتحدة في نيويورك، المؤتمر الدولي للتسوية السلمية للقضية الفلسطينية وتطبيق حل الدولتين برئاسة فرنسا والسعودية، وهدف المؤتمر إلى وضع خارطة طريق تؤدي إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة تعيش بسلام إلى جانب إسرائيل.
وجاء هذا المؤتمر وسط توقعات بخطوات غير مسبوقة من بعض الدول الأوروبية للاعتراف الرسمي بدولة فلسطين، في حين أعلنت الولايات المتحدة وإسرائيل مقاطعة المؤتمر ورفضهما العلني لمخرجاته المرتقبة.
وكان من المقرر أن يعقَد هذا المؤتمر في شهر حزيران الماضي، لكن الهجوم الإسرائيلي على إيران دفع عدة وفود من الشرق الأوسط إلى الاعتذار عن الحضور، مما أدى إلى تأجيله.
ومارست إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضغوطاً دبلوماسية واسعة لمنع الحكومات من المشاركة في المؤتمر، عبر إرسال برقيات تحثها على عدم الحضور.
وينظر كثيرون إلى هذا المؤتمر بوصفه محاولة دولية أخيرة لإحياء المسار السياسي نحو حل الدولتين، في ظل انسداد أفق المفاوضات وتواصل العدوان على غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس المحتلة.
محطة مفصلية
سعى المؤتمر إلى إحياء عملية السلام المتعثرة، ووضع أسس واقعية لتحقيق حل الدولتين بعد سنوات طويلة من الجمود، وقال الرئيس الفرنسي إن هدف المؤتمر هو “إقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح تعترف بوجود إسرائيل وأمنها”.
واعتبر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أن حل الدولتين هو الإطار الوحيد المتجذّر في القانون الدولي الذي أقرته الجمعية العامة والمدعوم دولياً.
وحذّر في كلمة بهذه المناسبة، من أن هذا “الحل بات الآن أبعد من أي وقت مضى”، ودعا إلى “جعل المؤتمر نقطة تحول لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي وتحقيق السلام في المنطقة”.
كما اعتبر أن النزاع الحالي في غزة يزعزع الاستقرار في المنطقة والعالم بأسره، واستنكر الضم التدريجي غير القانوني للضفة الغربية المحتلة ودعا لوقفه.
وبدوره، اعتبر وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان آل سعود المؤتمر “محطة مفصلية” نحو تفعيل حل الدولتين وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين.
وثمّن إعلان الرئيس الفرنسي عزم بلاده الاعتراف بدولة فلسطين، وشدّد على أن تحقيق الاستقرار في المنطقة يبدأ بمنح الشعب الفلسطيني حقوقه.
اعترافات أوروبية مرتقبة
تميّز المؤتمر بزخم إضافي بعد إعلان ماكرون أن فرنسا قررت الاعتراف بدولة فلسطين خلال جلسات الجمعية العامة في شهر أيلول المقبل، ليصبح أول زعيم دولة من دول مجموعة السبع، يقدم على هذه الخطوة التي وصفت بالتاريخية.
وتنسجم هذه الخطوة مع توجه أوروبي آخذ في التصاعد نحو الاعتراف بالدولة الفلسطينية. ورغم تحفظ دول غربية أخرى، يرى محللون أن تصاعد العنف في غزة وتدهور الأوضاع الإنسانية وتوسع الاستيطان الإسرائيلي، رسّخ قناعات كثيرين في أوروبا بأن حكومة إسرائيل الحالية لا تعتزم إنهاء الاحتلال، مما دفع هؤلاء إلى اعتبار الاعتراف الأحادي بفلسطين “ورقة ضغط” ممكنة لتغيير حسابات حكومة تل أبيب اليمينية المتطرفة.
ومع أن فرنسا أكدت أن اعترافها المرتقب سيتم فقط بدولة فلسطينية، لا تشمل قيادات حركة المقاومة الإسلامية “حماس”، رحبت القيادة الفلسطينية بهذه التحركات، واعتبرتها انتصارا للحق الفلسطيني، وخطوة تعزّز فرص السلام، حيث أشاد الرئيس محمود عباس بما سماه “قراراً شجاعاً يسهم في إرساء أسس السلام العادل على أساس حل الدولتين”.
قلق إسرائيلي
أعلنت 15 دولة غربية، من بينها فرنسا وبريطانيا وإسبانيا وهولندا، أنها تدرس بشكل إيجابي الاعتراف الرسمي بالدولة الفلسطينية قبل انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة شهر أيلول المقبل.
واعتبرت هذه الدول في بيان مشترك، أن الاعتراف بدولة فلسطين “خطوة أساسية نحو تحقيق حل الدولتين”، ودعت بقية دول العالم إلى الانضمام إلى هذا التوجه.
وقوبل هذا الإعلان برد فعل إسرائيلي غاضب، حيث أعرب رئيس الوزراء الإسرائيلي عن معارضته الشديدة لهذه للخطوة، وادعى أن الاعتراف بالدولة الفلسطينية هو “عقاب للضحية”، وأن قيامها على حدود إسرائيل سيجعلها “دولة جهادية” تشكل تهديداً لاحقاً للدول الأوروبية.
ووصف مساعي الاعتراف الأوروبي بأنها “مكافأة للإرهاب وتكرار لخطأ غزة”، وحذّر من أن إقامة دولة فلسطينية في الوقت الراهن ستشكل “منصة لإبادة إسرائيل”.
واعتبرت التقديرات الإسرائيلية اعتراف الدول الغربية بالدولة الفلسطينية إشارة إلى تآكل الدعم التقليدي لإسرائيل، ونتيجة مباشرة لتزايد الانتقادات الدولية لسلوكها في الحرب على غزة، التي توصف في الغرب بأنها “حرب إبادة تتخللها انتهاكات جسيمة للقانون الدولي”.
مقاطعة أميركية
قوبلت جهود تنظيم المؤتمر برفض قاطع من الولايات المتحدة التي أعلنت رسميا عدم مشاركة أي ممثل عنها في جلساته، معتبرة أن المؤتمر “يقوض المساعي الجارية لإنهاء الحرب في غزة”.
وأفادت تقارير بأن الإدارة الأميركية وجهت رسائل دبلوماسية تحذيرية إلى عدد من العواصم حثتها فيها على عدم حضور المؤتمر، ولوحت بعواقب دبلوماسية بحق الدول التي تقدم على “خطوات مناهضة لإسرائيل”.
وفي السياق ذاته، شن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو هجوما لاذعا على فرنسا، ووصف إعلانها المرتقب للاعتراف بفلسطين بأنه “خطوة متهورة تعرقل جهود السلام وتخدم الدعاية لحماس”، وأكد عبر منصة إكس أن “واشنطن ترفض بشدة هذه الخطوة”.
كما صرح السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي بأن “إقامة دولة فلسطينية لم تعد هدفا حقيقيا للسياسة الخارجية الأميركية”، في انعكاس واضح لتحول في مواقف إدارة ترامب الثانية وتبنيها نهجاً أقرب إلى مواقف اليمين الإسرائيلي المتشدد.