لكل السوريين

المونة في الساحل السوري.. عبء ثقيل على أكتاف النساء وسط أزمة الغلاء

تقرير/ اـ ن

لطالما ارتبطت المونة بالوفرة والاكتفاء الذاتي في الساحل السوري، سواء في المدن أو القرى، باعتبارها تقليداً عريقاً توارثته الأجيال، من الأجداد الذين كانوا يعبئون الجرار وتجفف النساء البندورة على الأسطحة، وصولاً إلى الأحفاد الذين ورثوا هذه الطقوس لضمان تأمين قوت الشتاء من الزيت والقمح والكشك والمكدوس وغيرها من المنتجات التقليدية. شكلت هذه الممارسة حكمة اقتصادية فعلية، إذ منحت العائلات طمأنينة في مواجهة تقلبات السوق وأمنت لها استقراراً غذائياً بأسعار زهيدة، إلا أن الأزمة الاقتصادية العامة التي تعيشها سوريا غيّرت هذا الواقع بشكل جذري.

ففي ظل ارتفاع أسعار المواد الأساسية إلى مستويات غير مسبوقة، تجد ربات المنازل أنفسهن أمام تحدٍ كبير لتأمين المواد الأولية، إذ غالباً ما تتجاوز تكاليفها ثمن المونة الجاهزة في الأسواق. ما كان في السابق عملاً يوفر حدًا من الكفاية وموفراً للمال أصبح اليوم صعب المنال ويحتاج جهداً مضاعفاً، في ظل أسعار مرتفعة وصعوبة الوصول إلى المواد المطلوبة.

أم جعفر محمد من قرية سربيون بريف جبلة قالت إنها اعتادت إعداد المونة وبيعها بكميات معقولة، حيث كانت تجهيز مؤونة الشتاء تشمل أصنافاً أساسية مثل الزعتر والكشك والمكدوس والزيتون والبرغل ورب البندورة والملوخية، بالإضافة إلى صناعة أنواع مختلفة من المربيات مثل مربى التين والمشمش واليقطين، إضافة إلى خل التفاح وماء الزهر ودبس الرمان. وأوضحت أن السبب الرئيسي وراء استمرارها في هذا العمل يعود إلى الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تمر بها عائلتها، إذ إن الاعتماد على المنتجات الجاهزة أصبح شبه مستحيل.

وأضافت أم جعفر أن تحضير المونة في المنزل يتطلب جهداً كبيراً، لكنه يبقى أوفر بكثير من شراء المنتجات من السوق، مشيرة إلى وجود ورشات عديدة في القرية وفي القرى المحيطة، بعضها ليس نظامياً ويُدار من قبل عائلات وبناتها، أو عبر تعاون عدة نساء في نفس العمل. لكنها أكدت أن الغلاء الذي أصاب جميع المواد الأساسية قد شمل معظم مكونات المونة، مثل السمّاق والفريك والكشك، بنسبة زيادة تراوحت بين 10 و40% لكل صنف، مما رفع كلفة المونة بشكل عام إلى ما يقارب بين مليوني و2.5 مليون ليرة سورية هذا الصيف.

بدورها، أشارت المهندسة أميرة إبراهيم من نفس القرية إلى أن ربات المنازل يناضلن من أجل تأمين المونة في ظل ارتفاع الأسعار وارتفاع كلفة المعيشة، إضافة إلى توقف صرف الرواتب الشهرية، وهو ما يضع أصحاب محلات المونة الموسمية تحت ضغوط كبيرة انعكست على أسعار المنتجات وحجم المبيعات.

وأضافت أن انخفاض عدد الزبائن نتيجة هبوط القدرة الشرائية للمواطن انعكس مباشرة على الحركة التجارية، رغم أن الطلب الأكبر لا يزال يتركز على المونة التقليدية الأساسية مثل البرغل والكشك والزعتر والسماق والمكدوس والزيتون ورب البندورة، إلا أن الكميات المطلوبة محدودة جداً.

وأوضحت أميرة أن أسعار معظم هذه المنتجات شهدت ارتفاعات كبيرة، بينما بقيت أسعار بعض المنتجات مستقرة تبعاً لغزارة المحصول أو قلته، مشيرة إلى أن كلفة شراء المواد الأولية لإعداد أصناف المونة تختلف بحسب كمية التحضير.

ولفتت إلى أن أسباب ارتفاع الأسعار وكلفة المنتج النهائي عند البيع تتعدد، أبرزها ارتفاع كلفة اليد العاملة الزراعية نتيجة كثرة الطلب عليها، وازدياد أسعار المواد الأولية للزراعة مثل الأسمدة وتحريك الأرض، إضافة إلى تكاليف تشغيل آلات التصنيع التي تحتاج إلى الغاز والكهرباء والمازوت وغيرها من المواد التشغيلية التي تشهد بدورها ارتفاعاً مستمراً.

ورغم هذه الصعوبات، لا تزال المونة في نظر كثيرين طقساً وثقافة متجذرة، حيث يحرص البعض على تجهيز حاجاتهم لفصل الشتاء مهما بلغت قسوة الظروف الاقتصادية. وأوضحت المصادر أن الكميات المتوفرة تختلف من أسرة إلى أخرى بحسب وضعها المادي، نتيجة الأوضاع الاقتصادية والأمنية الصعبة، وفقدان الكثيرين أعمالهم وفرص رزقهم. وأضافت أنه مع هذه الظروف، لم تعد بعض العائلات قادرة على التموين دفعة واحدة، فتلجأ إلى شراء المواد عند الضرورة القصوى فقط، لضمان استمرارية تلبية حاجاتها الغذائية في فصل الشتاء.

وتعكس هذه المعاناة مدى تأثير الأزمة الاقتصادية على العادات التقليدية التي كانت توفر الأمن الغذائي للمواطنين، وتكشف حجم الضغوط المعيشية التي تواجهها ربات المنازل في الساحل السوري، وسط استمرار ارتفاع الأسعار وتدهور القدرة الشرائية.

- Advertisement -

- Advertisement -