درعا/ رجاء مختار
تتعرض المواقع الأثرية في محافظة درعا جنوب سوريا، للنهب والتعديات بشكل متزايد، ما يهدد التراث الحضاري الذي يعود لآلاف السنين. في الآونة الأخيرة، رصدت فرق محلية ودولية تكرار حالات التدمير غير المبرر للمواقع التاريخية، إضافة إلى سرقة القطع الأثرية وبيعها في السوق السوداء، وهو ما يفاقم من أزمة حماية التراث في المنطقة التي شهدت سنوات نزاع طويلة أثرت على استقرارها الأمني والاقتصادي.
في بلدة نوى الواقعة على أطراف درعا، يتحدث المهندس سامي جابر، أحد موظفي دائرة الآثار المحلية، عن مشهد مؤلم شاهدوه مؤخراً: “عندما زرنا الموقع الأثري المعروف باسم ‘معبد الشمس’، وجدنا آثار حفر غير قانونية في كل مكان، وكأن المكان تحول إلى محجر للباحثين عن الكنوز. تم سرقة أجزاء من التماثيل الحجرية، وبعض النقوش تعرضت للتخريب، ولا توجد أي علامات على تدخل رسمي لمنع هذه الأعمال”.
ويضيف سامي أن غياب الحراسة والتنسيق بين الجهات الرسمية والمجتمع المحلي ساهم في تفاقم المشكلة، حيث يستغل المتعدون ضعف الرقابة لتدمير المواقع وتهريب القطع الثمينة.
في قرية الحارة، روت منى الخطيب، وهي من سكان المنطقة، قصة مقلقة عن أعمال نهب حدثت قرب موقع أثري يعود للعصر الروماني: “كنت أمشي قرب أحد المواقع القديمة مع أولادي، ولاحظنا حفر صغيرة منتشرة على امتداد المكان، وكأن البعض يحاول البحث عن شيء ثمين. تحدثت مع بعض الجيران، وقالوا إن هذا يحدث منذ أشهر، ولكن لم يتدخل أحد لحماية الموقع. أشعر بالحزن لأننا نفقد جزءاً من تاريخنا كل يوم”.
وتوضح منى أن الأهالي يحاولون أحياناً الإبلاغ عن التعديات، لكن غياب التنسيق مع الجهات الرسمية يجعل هذه الجهود محدودة التأثير.
وتحتضن محافظة درعا عدداً كبيراً من المواقع التاريخية التي تعود لعصور متعددة، بدءاً من العصور الرومانية والبيزنطية، مروراً بالعصور الإسلامية، وصولاً إلى الممالك القديمة التي حكمت المنطقة.
هذه المواقع تمثل جزءاً من هوية المحافظة وتراثها الثقافي، وقدرتها على جذب السياحة، إلا أن استمرار النزاعات المسلحة وانخفاض الرقابة الحكومية أدى إلى تزايد التعديات عليها، سواء من قبل مهربين أو أفراد يسعون لكسب المال السريع عبر بيع القطع الأثرية في السوق السوداء.
وفي بلدة تل شهاب، يروي الشاب يزن الحلبي، الذي يعمل مع مجموعة تطوعية لحماية المواقع الأثرية، قصة محاولتهم منع تعدٍ كبير على موقع أثري يعود للعصر الروماني: “لاحظنا مجموعة من الأشخاص يحفرون بقصد سرقة الفسيفساء القديمة. حاولنا إقناعهم بالتوقف، ولكنهم هربوا عند وصول أحد الجيران. أحسسنا بالعجز، لأننا مجرد متطوعين، والجهات الرسمية غائبة أو لا تصل في الوقت المناسب”.
ويضيف يزن أن المجتمع المدني يحاول قدر الإمكان توعية الأهالي حول أهمية حماية هذه المواقع، وتنظيم حملات لتنظيفها وصيانتها، إلا أن الموارد محدودة والتهديدات مستمرة.
وتشير المصادر المحلية إلى أن بعض هذه التعديات ليست عشوائية، بل تتم وفق عمليات منظمة تهدف إلى استخراج وتهريب القطع الأثرية الثمينة. وقد ساعد في ذلك ضعف البنية الأمنية وغياب قوانين صارمة للرقابة على المواقع الأثرية، إضافة إلى الظروف الاقتصادية الصعبة التي يدفع بعضها السكان المحليين للمساهمة بشكل غير مباشر أو التواطؤ مع المهربين.
وتجعل القيمة التاريخية والمعمارية لهذه المواقع هدفاً مهما بالنسبة للسوق السوداء العالمية للآثار، وهو ما يزيد من خطورة الوضع ويستدعي تدخل عاجل.
من جانبه، يؤكد الدكتور فراس العلي، أستاذ آثار في جامعة دمشق، أن محافظة درعا تعتبر واحدة من أهم مناطق التراث الثقافي في سوريا، مضيفاً: “ما يحدث من تعديات يعني أننا نخسر إرثاً حضارياً لا يقدر بثمن. هذه المواقع ليست ملكاً للفرد أو القرية فقط، بل هي جزء من التراث الإنساني. إذا استمر الوضع على هذا النحو، فقد تختفي بعض المواقع تماماً خلال سنوات قليلة”.
ويشير العلي إلى أن الحلول تتطلب تضافر الجهود بين الحكومة، المجتمع المحلي، والمنظمات الدولية، لضمان حماية المواقع وصيانتها، مع فرض عقوبات رادعة على المتعدين.
رغم ذلك، هناك قصص أمل تظهر بين الحين والآخر، مثل ما حدث في قرية الحارة، حيث تعاون مجموعة من الشباب مع بعض الأهالي لإنشاء نقاط مراقبة بسيطة حول موقع أثري، ونجحوا في منع عمليات حفر جديدة خلال أشهر.
تقول الشابة ليلى حسن، إحدى المشاركات: “لا نستطيع منع كل التعديات، لكن حتى مراقبة بسيطة وإبلاغ الجهات الرسمية يمكن أن تحدث فرقاً. نحن نحاول أن نحافظ على ما تبقى من تراثنا، لأنه جزء من هويتنا”.
إن استمرار التعديات على المواقع الأثرية في محافظة درعا يعكس هشاشة حماية التراث الثقافي في المناطق الريفية، ويضع المحافظة أمام تحدي كبير للحفاظ على تاريخها العريق. ولضمان مستقبل هذه المواقع، يحتاج الأمر إلى تدخل عاجل يشمل رفع مستوى الرقابة، توفير الدعم المادي والتقني للمجتمعات المحلية، وتفعيل القوانين المتعلقة بحماية الآثار، بحيث لا يتحول التراث الثقافي إلى مجرد ضحية للنهب والربح السريع. المحافظة أمام مفترق طرق: إما حماية إرثها الحضاري أو خسارته للأبد.