يحذر باحثون من أن عادة شرب المشروبات شديدة السخونة، المنتشرة بشكل واسع في المجتمعات العربية والعالمية، قد تحمل مخاطر صحية غير محسوبة، أبرزها زيادة احتمالات الإصابة بسرطان المريء مع تكرار التعرض للحرارة العالية لفترات طويلة. ويأتي هذا التحذير استنادًا إلى سلسلة من الدراسات العلمية الحديثة التي تناولت العلاقة بين درجة حرارة المشروبات الساخنة وتأثيرها المباشر على بطانة المريء وأجهزة الجسم.
فقد صنفت الهيئة الدولية لأبحاث السرطان المشروبات التي تتجاوز درجة حرارتها 65 درجة مئوية بأنها “على الأرجح من مسببات السرطان” لدى البشر، وهي ذات الفئة التي تضم ملوثات بيئية مثل دخان حرق الأخشاب والإفراط في تناول اللحوم الحمراء. وتؤكد الهيئة أن الخطر مرتبط بالحرارة المرتفعة وليس بنوع المشروب نفسه، ما يعني أن القهوة أو الشاي بحد ذاتها لا تكون ضارة، ما لم تُتناول بدرجات حرارة عالية بشكل متكرر.
وفي دراسة حديثة واسعة شملت نحو نصف مليون شخص في بريطانيا، تبيّن أن تناول المشروبات شديدة السخونة بصفة يومية يزيد احتمالات الإصابة بسرطان المريء بدرجات ملحوظة. وأظهرت النتائج أن الأشخاص الذين يشربون ثمانية أكواب أو أكثر يوميًا من الشاي أو القهوة الساخنة جدًا ترتفع لديهم فرص الإصابة بسرطان المريء بنحو ستة أضعاف مقارنة بغيرهم ممن يتناولون المشروبات بدرجات حرارة معتدلة أو أقل.
وخلصت الدراسة المنشورة على موقع “ميديكال إكسبريس” إلى أن المشروبات شديدة السخونة تسبب تلفًا مباشرًا في الخلايا المبطّنة للمريء، ما يُضعف قدرتها على مقاومة الارتجاعات الحمضية القادمة من المعدة. ومع مرور الوقت وتكرار الضرر، قد تتعرض الخلايا لتغيرات تزيد من فرص تحولها إلى خلايا سرطانية. وذكر الباحثون أن رشفة واحدة مقدارها 20 ملليلتراً من مشروب ساخن كالقهوة قادرة على رفع درجة حرارة المريء الداخلية بما يزيد على 12 درجة مئوية خلال لحظات، وإذا ما تكررت هذه العملية يوميًا على مدى سنوات، يصبح احتمال الأذى التراكمي مرتفعًا.
وفي سياق متصل، كشفت دراسة أمريكية حول السلوك الاستهلاكي للمشروبات الساخنة أن درجة الحرارة المثالية للقهوة أو الشاي بغرض الاستمتاع بالمذاق دون الإضرار بالمريء يُفضل ألا تتجاوز 57.8 درجة مئوية. وأوصى الباحثون بضرورة ترك المشروب لبضع دقائق بعد سكبه، حيث تنخفض حرارته بمعدل يتراوح بين 10 و15 درجة خلال خمس دقائق فقط، وهي مدة قصيرة لكنها كافية لتقليل خطر الحرق الحراري داخل الجهاز الهضمي.
ويؤكد خبراء الصحة أن المشكلة لا تكمن في تناول المشروبات الساخنة بحد ذاتها، بل في طريقة تناولها وسرعة شربها ودرجة حرارتها عند الاستهلاك. إذ لا يزال الشاي والقهوة جزءًا من الحياة اليومية لملايين الأشخاص، لكن الخطر يظهر حين تُستهلك بدرجات حرارة مرتفعة للغاية وبشكل متكرر، خاصة في المجتمعات التي تعتبر شرب المشروبات “من على النار” عادة اجتماعية.
ويشير الأطباء إلى أن تعديل بسيط في السلوك اليومي — كالانتظار دقائق قليلة قبل الشرب وتجنب ابتلاع المشروب دفعة واحدة — يُعد خطوة فعالة للوقاية، وقد يسهم في خفض معدلات الإصابة بسرطان المريء على المدى الطويل. كما يوصون بزيادة الوعي المجتمعي حول مخاطر الحرارة المرتفعة للمشروبات، سواء عبر البرامج الصحية أو مواد التثقيف في المدارس والإعلام.
وفي المحصلة، فإن ما يحدد مستوى الأمان ليس نوع الشراب وإنما حرارته. القهوة والشاي قد يظلان صديقين يوميين للمستهلك، لكنهما يصبحان خطرين عند تناولهما بدرجات حرارة تفوق قدرة أنسجة المريء على التحمل. ومع تزايد الأدلة العلمية، تبرز الحاجة إلى ترسيخ ثقافة استهلاك “مشروبات دافئة لا ملتهبة”، حفاظًا على الصحة ومنعًا لمضاعفات يمكن تجنبها ببساطة شديدة.