لكل السوريين

باحث سياسي: ما تحتاجه سوريا اليوم هو الحوار وليس لغة السلاح

حاوره/ مجد محمد

‏‏إن مرور عام على سقوط النظام في سوريا يشكل مرحلة حاسمة في تاريخ البلاد، حيث تبرز أهمية الحوار الوطني كطريق وحيد للخروج من الأزمات المتراكمة، ففي وقت ما زالت فيه البلاد تتعافى من جراح الحرب والصراع، يبقى الأمل في بناء سوريا جديدة ينبع من الإرادة المشتركة لجميع أبنائها، الحوار بعيدًا عن لغة السلاح ليس فقط ممكنًا، بل هو الحل الوحيد لضمان مستقبل مشترك يعيد الاستقرار والعدالة لسوريا بأسرها، الأمل في بناء سوريا جديدة لا يزال قائمًا، والشعب السوري هو من سيقرر كيف ستكون هذه المرحلة المقبلة.

‏فبعد مرور عام على سقوط النظام، تتجدد الأسئلة حول المستقبل السوري وكيفية بناء دولة جديدة تقوم على أسس من التفاهم والعدالة، في هذا الحوار الذي قامت به صحيفتنا، نناقش مع صفقان درويش المختص في الشأن السياسي السوري دور الحوار الوطني في إعادة الاستقرار إلى البلاد، وكيفية تجاوز ماضي العنف والتقسيم، في وقت يمر فيه الشعب السوري بتحديات كبيرة، فإن الحوار بين مختلف المكونات هو السبيل الوحيد لبناء سوريا المستقبل

‏*كيف ترى الوضع الحالي في سوريا بعد مرور عام على سقوط النظام؟

‏مرور عام على سقوط النظام يمكن اعتباره محطة هامة في تاريخ البلاد، لقد شهدت سوريا خلال هذا العام تحولات كبيرة، لكن التحديات التي تواجهها ما زالت ضخمة، فالنظام السابق كان قد خلق واقعًا من الاستبداد والفساد، والآن هناك حاجة ماسة لبناء هيكل سياسي جديد يضمن مشاركة الجميع دون استثناء، لكن في الوقت نفسه، لا يمكننا أن ننكر أن حالة التشرذم والانقسامات بين السوريين ما زالت قائمة، لذلك ما نحتاجه الآن هو حوار شامل بين كل المكونات السورية، من أجل تجاوز الماضي وبناء مستقبل مشترك يتسم بالاستقرار والعدالة

‏‏*كيف يمكن للحوار أن يكون بديلاً فعالاً عن العنف؟

‏العنف قد لا يحقق أي استقرار دائم، بل يعمق الانقسامات ويزرع الأحقاد بين الأطياف المختلفة، لقد أثبتت التجربة في سوريا أن استخدام السلاح لم ينجح في حل الأزمات، بل بالعكس أصبح جزءًا من المشكلة، الحل يكمن في الحوار المباشر والمفتوح بين جميع الأطراف المعنية، فالحوار ليس مجرد كلمات، بل هو عملية بناء ثقة، وتبادل أفكار، وتفاهم عميق حول المستقبل، وحده الحوار يمكن أن يقدم حلاً مستداماً في سوريا ويضمن مشاركة جميع الأطراف في صنع القرار.

‏*هل تعتقد أن هناك إرادة حقيقية من جميع الأطراف السورية للحوار؟

‏الإرادة موجودة لدى العديد من الأطراف، خاصة في مناطق شمال وشرق سوريا، حيث تبرز رغبة واضحة في التفاهم وبناء المستقبل على أسس من العدالة والمساواة، لكن في نفس الوقت، من المؤكد أن هناك أطرافاً ما زالت ترى في العنف والتمسك بالسلطة أداة للوصول إلى أهدافها، لذلك من الضروري أن يكون الحوار مشروطاً بإرادة سياسية حقيقية من جميع الأطراف، بما في ذلك القوى الدولية والإقليمية التي لها تأثير على الوضع السوري، لا يمكن أن نحقق تقدماً إذا لم يكن لدينا الجميع على طاولة الحوار، بما في ذلك الحكومة السورية الانتقالية ومعارضيها.

‏*ماذا عن دور الإدارة الذاتية في هذه المرحلة؟

‏الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا تمثل نموذجاً مهماً في محاولات بناء نظام سياسي بعيداً عن الاستبداد والهيمنة، هي تجربة فريدة تتسم بإشراك جميع المكونات، سواء كانت عرقية أو دينية أو ثقافية، في صنع القرار، في هذه المرحلة يمكن أن تلعب الإدارة الذاتية دوراً أساسياً في تشكيل النموذج الديمقراطي الذي يمكن أن يعم البلاد، من خلال التشاور والتنسيق مع باقي المكونات السورية، يمكن للإدارة الذاتية أن تكون حجر الزاوية في بناء نظام سياسي يشمل الجميع ويضمن حقوق الجميع.

‏‏*هل يمكن أن يتم التوصل إلى مصالحة حقيقية بين السوريين بعد كل ما جرى؟

‏‏المصالحة ليست مسألة سهلة، خاصة بعد سنوات من العنف والظلم، لكن في الوقت نفسه، لا يوجد خيار آخر إذا أردنا بناء سوريا المستقبل، المصالحة تتطلب جهداً مشتركاً من جميع الأطراف، ويتطلب الأمر تقديم التنازلات من الجميع، يجب أن يكون هناك اعتراف بالجراح التي خلفها العنف، وكذلك بتضحيات كل المكونات السورية، إن بناء ثقافة من التسامح والقبول المتبادل هو ما يضمن لهذه المصالحة الاستمرارية والنجاح.

‏‏*كيف يمكن تجاوز حالة الاختلاف بين المكونات السورية المختلفة؟

‏‏الاختلاف بين المكونات السورية ليس جديداً، فقد كان هناك تاريخ طويل من التهميش والتمييز من قبل النظام السابق تجاه بعض الفئات والمكونات، لكن الوضع الآن يختلف، حيث أصبح هناك وعي أكبر بضرورة تعزيز التلاحم بين هذه المكونات، الحل يكمن في الاعتراف بتنوع سوريا كقوة وليس كتهديد، يجب أن نبني على هذا التنوع ونعزز من ثقافة الشراكة والمشاركة في صنع القرار، من خلال حوار مفتوح ومخلص، يمكن تجاوز الانقسامات وبناء دولة تضم الجميع.

‏*هل ترى أن القوى الدولية والإقليمية تشكل عائقًا أمام الحوار السوري؟

‏بالطبع، القوى الدولية والإقليمية تلعب دورًا كبيرًا في تشكيل مسار الأزمة السورية، بعض هذه القوى لا ترغب في تسوية حقيقية لأسباب سياسية أو استراتيجية، هذه التدخلات قد تكون عائقًا أمام تحقيق التفاهم الداخلي، لكن في نفس الوقت، يمكن لهذه القوى أن تساهم إيجابياً إذا تم الضغط عليها لتشجيع الحلول السلمية وليس العسكرية، الحل في سوريا يجب أن يكون سورياً بامتياز، لكن لا يمكن تجاهل التأثيرات الإقليمية والدولية في تشكيل البيئة المناسبة للحوار.

‏*ما هي الخطوات الأولى التي يجب اتخاذها للبدء في عملية الحوار؟

‏الخطوة الأولى هي تحديد مبدأ الثقة، يجب أن يتم الحوار في بيئة من الشفافية والاحترام المتبادل، يجب أن تتفق جميع الأطراف على الهدف المشترك وهو بناء دولة مدنية ديمقراطية تحترم حقوق الإنسان وتضمن العدالة للجميع، بعدها يمكن تشكيل منصات حوار تضمن تمثيل جميع الفئات الاجتماعية والسياسية، من المعارضة والنظام، وكذلك المكونات الكردية، العربية، السريانية، وغيرها، لكن الأهم هو أن يكون هناك توافق على قيم الحوار وتحديد الأطر القانونية والسياسية التي تحكمه.

‏*ما هو دور الشباب في عملية الحوار وبناء مستقبل سوريا؟

‏الشباب يمثلون الأمل والمستقبل لسوريا، هم أكثر المجموعات المتأثرة بالأزمة، ولكنهم أيضاً الأكثر قدرة على التغيير، الشباب يجب أن يكونوا جزءاً أساسياً من عملية الحوار وبناء السلام، يجب أن تكون لهم منصات لتبادل الآراء والأفكار، وكذلك فرص للمشاركة الفاعلة في عملية اتخاذ القرار، إذا لم يتم إشراك الشباب في بناء سوريا المستقبل، فإننا نخاطر بإعادة إنتاج نفس السياسات القديمة التي جلبت لنا الأزمة في المقام الأول.

‏*كيف ترى العلاقة بين المجتمع المدني والحوار السياسي في سوريا؟

‏المجتمع المدني هو منبع الإصلاحات الحقيقية، فهو يعكس تطلعات الناس ويعمل على تعزيز حقوق الإنسان والحريات الأساسية، لا يمكن لأي حوار سياسي أن يكون ناجحاً إذا لم يعتمد على مبدأ إشراك المجتمع المدني، يجب أن يكون للمؤسسات المجتمعية دور بارز في المساهمة في بناء بيئة حوارية، من خلال نشر ثقافة الحوار وتعليم مبادئ التعايش السلمي، المجتمع المدني يمكن أن يشكل صلة وصل بين الشعب والسلطات، ويسهم في إيجاد حلول وسط بين الأطراف المتنازعة.

‏*ما هي التحديات الكبرى التي قد تواجه عملية الحوار في سوريا؟

‏التحديات كثيرة، وأكبرها هو فقدان الثقة بين الأطراف المختلفة، هناك أيضًا الخوف من تكرار الأخطاء السابقة، خاصة في حال عدم تطبيق ما يتم التوصل إليه خلال الحوار، إضافة إلى ذلك هناك التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي قد تؤثر على إرادة السوريين في الانخراط بعملية الحوار، لكن رغم هذه التحديات، فإن الأمل يبقى موجوداً، والتصميم على تحقيق السلام يجب أن يكون أقوى من أي عقبة.

‏*هل تعتقد أن هناك إمكانية لإنشاء دستور جديد لسوريا يعكس الواقع الحالي؟

‏‏نعم، من الممكن بناء دستور جديد يعكس الواقع السوري المتنوع، لكن هذا يتطلب مشاركة واسعة من جميع المكونات السياسية والاجتماعية، وكذلك ضمان حقوق الأقليات وضمان فصل السلطات، وأن يكون الدستور مرناً بما يكفي ليواكب التغيرات المستقبلية، الدستور يجب أن يكون نقطة انطلاق لضمان العدالة والمساواة بين جميع المواطنين.

‏‏*هل توجد ضمانات حقيقية لتنفيذ أي اتفاق يتم التوصل إليه عبر الحوار؟

‏‏الضمانات تتوقف على التزام جميع الأطراف بما تم الاتفاق عليه، وهذا يشمل تطبيق إصلاحات حقيقية على الأرض، وجود أطراف دولية كضامن يمكن أن يكون مفيداً، لكن الأهم هو التزام الأطراف السورية بحسن النية وفتح المجال للمراقبة المستقلة لضمان تنفيذ الاتفاقات.

‏‏*ما هي رسالتك للنخب السياسية السورية والمجتمع الدولي في هذا السياق؟

‏‏رسالتي للنخب السياسية السورية هي أن الشعب السوري قد دفع ثمناً باهظاً من الدماء والدمار، وآن الأوان أن نضع المصلحة الوطنية فوق أي حسابات سياسية أو حزبية ضيقة، يجب أن نتذكر أن سوريا ليست ملكًا لأي طرف، بل هي وطن لجميع السوريين بكافة أطيافهم، أما للمجتمع الدولي، فنقول إن الحل في سوريا يجب أن يكون سورياً خالصاً، ونحن بحاجة إلى دعم المجتمع الدولي في هذا الإطار، ولكن دون فرض أجندات خارجية، يجب على المجتمع الدولي أن يساعد في تسهيل الحوار السوري-السوري ودعمه، ولكن مع احترام السيادة الوطنية والقرار المستقل.

‏*كيف ترى مستقبل سوريا في حال نجح الحوار الوطني؟

‏‏إذا نجح الحوار الوطني في سوريا، فإننا سنكون أمام فرصة فريدة لبناء دولة جديدة تتسم بالاستقرار والعدالة والمساواة، يمكن لسوريا أن تصبح نموذجًا لدولة متعددة الثقافات تحترم حقوق الإنسان وتحمي الحريات العامة، الحوار الوطني يعني أننا سنمضي نحو بناء مؤسسات قوية وديمقراطية تضمن للمواطنين حقوقهم وتتيح لهم فرصة المشاركة الفاعلة في صناعة القرار، وإذا تحقق ذلك، يمكن لسوريا أن تستعيد مكانتها كدولة ديمقراطية تحتضن جميع مكوناتها في سلام وازدهار.

- Advertisement -

- Advertisement -