لكل السوريين

آمال العودة إلى ريف حماة الشمالي: بين الذكريات والدمار

حماة/ جمانة الخالد

مع حلول ذكرى سقوط النظام، يعمّ شعور مختلط بين الأمل والحذر قلوب نازحي ريف حماة الشمالي، الذين قضوا سنوات طويلة بعيدين عن قراهم ومنازلهم. رغم الدمار الواسع الذي طال المنطقة، ورغم التحديات اليومية في المخيمات والمناطق التي استقروا فيها، يحمل الكثير منهم رغبة عميقة في العودة إلى أرض الطفولة والبيت الذي تركوه قسراً. هذه العودة لا تعني فقط الانتقال المادي، بل استعادة جزء من الهوية والذاكرة التي شكلتها سنوات العيش في هذه القرى.

نلتقي مرام، أم لطفلين، كانت قد نزحت منذ أكثر من عشر سنوات إلى مخيم في شمال سوريا. بلمسة حنين في صوتها، تحدثت عن شعورها عند سماعها خبر إمكانية العودة إلى كفر زيتا: «أول ما سمعت عن قافلة العودة، قلبي ارتجّ. الأطفال بدهم يشوفوا الأرض اللي اتولدوا فيها… بدنا نرجع البيت، حتى لو كانت أنقاض». بالنسبة لعروة، لم يكن مجرد حلم بالعودة إلى منزل مادي، بل شعور بالطمأنينة والأمان الذي فقدته خلال سنوات النزوح، وحاجة ملحة لتجديد الروابط الاجتماعية والعائلية.

في نيسان 2025، انطلقت قافلة تقل حوالي خمسين عائلة من مخيمات الشمال نحو قرى ريف حماة الشمالي، بعد تجهيز الطرق وتنسيق الدعم اللوجستي من متطوعين محليين. بين العائدين كان فواز، شاب في الثلاثين من عمره، الذي ترك قريته منذ عام 2012 بعد تدمير جزء كبير من منازلها بالقصف. عند وصوله، وجد منزله في حالة يرثى لها: شبابيك مكسورة، جدران مشقوقة، وسقف متهدم في بعض الغرف. ورغم الصورة المأسوية، قرّر فواز البقاء والمباشرة في إعادة الترميم، قائلاً: «حتى لو بدأت بخيمة فوق الأنقاض… هاي أرضي، ولادتي، وذكريات أبوي».

لكن العودة إلى القرية لا تعني بالضرورة حياة طبيعية. غالبية المنازل كانت مدمرة بالكامل، والكهرباء والمياه والخدمات الأساسية غير متوفرة، مما أجبر بعض العائلات على نصب خيام فوق بقايا بيوتهم المهدمة، في انتظار المساعدات أو إعادة البناء. من بين هؤلاء العائدين رائد، شاب فقد والده في الحرب، عاد مع والدته وإخوته. حين وطأت أقدامهم أرض القرية، بدأ يتفحص أطلال البيت القديم بحثاً عن صور عائلية كانت معلّقة على جدار غرفة الجلوس. «لما لقيت الصورة… صار قلبي يخفق — فكرت إن الحياة ما راحت كلها»، هكذا عبّر عن مزيج من الفرح والوجع، وهو يتلمّس الذكريات بين الركام.

منظمات محلية وإنسانية ساهمت في تسهيل العودة، لكنها حذرت من أن عملية إعادة الإعمار ستكون طويلة وتحتاج إلى دعم مستمر. كثير من العائدين يعلقون آمالهم على توفر الخدمات الأساسية قبل اتخاذ قرار الاستقرار الدائم: مياه صالحة للشرب، كهرباء، مدارس للأطفال، ومستشفيات قريبة. مريم، أم لثلاث بنات، قالت إنها لن تستقر إلا بعد توفر هذه الخدمات: «رجعنا لنشوف البيت… ما شفنا بيت. شفنا أطلال. كيف أسجّل أولادي بالمدرسة؟ كيف نشغّل مكيف صيفي لأولادي؟ حتى الكهرباء ما شغالة».

في الوقت نفسه، يظل شعور الأمل موجوداً بين العائدين. سامي، شاب عاد مع عائلته إلى كفر نبودة، بدأ بزراعة قطعة أرض صغيرة، رغم أنها مملوكة لشخص غائب: «يا ريت تكون أول عودتي، زرع خضرة… ورد… حتى لو بسيطة. أهم شيء نعيش». بالنسبة له، العودة ليست مجرد بيت مأهول، بل إعادة للحياة اليومية، وتجديد الروابط المجتمعية التي انقطعت سنوات.

رغم الخوف من المستقبل، يلتزم الكثيرون بالصبر والعمل، ويفكرون في بناء حياة من جديد على أساس الذكريات والبقايا. نازحو ريف حماة الشمالي يواجهون واقعاً صعباً، ولكن رغبتهم في العودة قوية. العائلات تجمع بين الحنين إلى الماضي والأمل في المستقبل، فهم يعرفون أن الأرض التي عاصرت طفولتهم وأحلامهم لا يمكن أن تُنسى، وأن العودة إليها رغم الصعوبات تشكل خطوة أولى نحو حياة مستقرة وكرامة مستعادة.

في هذه الذكرى التي تحتفي بسقوط النظام، تختلف نظرات العائدين: بين من يرى أن العودة بداية صفحة جديدة، وبين من يخشى أن تتحول إلى خيبة أمل. لكن هناك شعور مشترك بين الجميع: شوق للبيت، رغبة في استعادة ما فقدوه، وإيمان بأن الأرض، مهما عصفت بها رياح الحرب، تستحق أن تُزهر من جديد.

تحمل مرام وفواز ومريم وسامي وآلاف غيرهم مفاتيح بيوتهم بيدهم، ينتظرون لحظة تُفتح فيها أبواب الذكريات، ويدركون أن العودة ليست مجرد مكان، بل شعور بالأمان والانتماء، وبداية حياة جديدة بعد سنوات طويلة من النزوح. وبين كل خطوة على أطلال قراهم، ينبض أمل العودة والحياة، كرسالة صامتة بأن الإنسان قادر على التجديد والصمود، وأن الحنين للبيت يمكن أن يكون قوة لإعادة البناء، ليس فقط للمباني، بل للروح والهوية التي لا يمكن أن تُمحى.

- Advertisement -

- Advertisement -