درعا/ رجاء مختار
بدأت درجات الحرارة بالانخفاض في محافظة درعا، بينما يظل تحضير الأهالي لموسم الشتاء ضعيفاً وغير كافٍ، وسط عودة كثيفة للنازحين واللاجئين وارتفاع حاد في تكاليف الوقود ومواد التدفئة. في الأحياء والقرى، تبدو البيوت المتهالكة والسقوف المتشققة ونقص المستلزمات الشتوية عنواناً لموسم قد يكون الأصعب منذ سنوات.
خالد، رجل أربعيني عاد من الأردن قبل أشهر، يقف في فناء منزله يتفقد المدفأة القديمة التي لم تُستخدم منذ سنوات. يقول: “نشعل موقد الغاز ساعة واحدة فقط في المساء لأن الغاز أصبح غالياً. أطفالنا يرتدون ملابس النوم طوال النهار لأن البيت لا يحتفظ بالدفء أبداً”.
عائلة خالد مثال واحد لعشرات العائلات التي اضطرت لتقليص استخدام الوقود إلى الحد الأدنى، بينما تبحث عن بدائل أكثر توفيراً لكنها غالباً أقل أماناً مثل الحطب والمواد البلاستيكية.
في الريف، تعيش أم مريم—وهي أم لسبعة أطفال—فصلاً مختلفاً من معاناة الشتاء. سقف المنزل متصدع، والمطر يتسرب إلى الداخل مع أول سحابة شتوية. تقول الأم وهي ترفع قطعة نايلون لتغطي شقاً في السقف: “عندما تمطر، نخشى أن يمرض الأطفال. نضع الأغطية على الأرض ونحاول جمع الماء في أوعية، لكن البرد ينتشر في كل مكان. ليس لدينا المال لترميم السقف، وكل ما نملكه نستخدمه للطعام والدواء”.
بنية السكن في درعا ما تزال هشة. كثير من العائدين وجدوا منازلهم مهدمة أو منهوبة أو غير صالحة للسكن. آلاف البيوت تحتاج لترميم، بينما قسمت بعض العائلات بيوتاً صغيرة إلى غرف تؤوي أكثر من أسرة. هذا الاكتظاظ لا يسمح بتدفئة كافية، ولا يوفر الحد الأدنى من الراحة خلال الأيام الباردة.
أما الوقود، فهو معضلة أخرى. سعر ليتر الديزل ارتفع بشكل كبير خلال العام الماضي، ما جعل استخدام المدافئ أمراً صعباً على معظم الأسر. بعض العائلات تعتمد على “نظام الدور” في استخدام المدفأة: ساعة واحدة في غرفة الجلوس، ثم إطفاؤها لساعتين لتقليل الاستهلاك. آخرون توقفوا عن استخدامها بالكامل.
يوسف، وهو أب لثلاثة أطفال، يقول: “نعيش في منزل بلا عزل، والجدران باردة طوال اليوم. حاولت شراء كمية صغيرة من المازوت لكن السعر صدمنا. أتردد يومياً بين تدفئة الأطفال أو توفير المال للطعام”.
في المدارس، الوضع ليس أفضل كثيراً. بعض الصفوف بلا مدافئ، والمدارس التي تملك مدافئ تعاني من عدم توفر الوقود بشكل منتظم. معلمة في ريف درعا الجنوبي تروي:
“الأطفال يرتجفون من البرد في الصباح الباكر. نحاول إغلاق النوافذ بالأقمشة ولكن الهواء يدخل من كل اتجاه. الأسبوع الماضي تغيّب خمسة طلاب بسبب نزلات البرد”.
المراكز الصحية أيضاً تواجه صعوبات كبيرة. التدفئة غير مستقرة، وبعض الأجهزة الطبية تحتاج إلى درجة حرارة معينة للعمل بشكل آمن. الممرضون يضطرون لارتداء طبقات من الملابس داخل غرف المعاينة.
على مستوى الاستجابة الإنسانية، لا تبدو الجهود الحالية كافية. البعض حصل على بطانيات أو ملابس شتوية من منظمات محلية، لكن معظم الأسر تقول إن الاحتياجات أكبر بكثير من المساعدات المتاحة. العائدون الجدد يعانون أكثر، إذ لا يملكون أثاثاً كاملاً أو مستلزمات أساسية للشتاء.
مشهد آخر من داخل إحدى المدارس المؤقتة التي تؤوي نازحين: ثلاث عائلات تعيش في غرفة واحدة مفصولة بستائر رقيقة. البطانيات قليلة، والهواء يدخل من منافذ النوافذ المكسورة. أحد الآباء يقول: “نستخدم الدخان للتدفئة أحياناً. نحرق كل ما نجده… ملابس قديمة، قشور كرتون، أي شيء يخفف البرد ولو قليلاً. ندرك أن ذلك يضر بصحتنا، لكن لا خيار آخر”.
ومع غياب برامج دعم حكومية فعّالة وقلة المشاريع المحلية، يخشى الأهالي من أن يتحول الشتاء المقبل إلى فصل طويل من المرض والعوز. كثيرون يرون أن الحل يبدأ بإعادة تأهيل المنازل المتضررة، وتقديم دعم مباشر لشراء الوقود والملابس، وتوفير عزل حراري بسيط للمنازل الأكثر هشاشة.
وتبدو درعا اليوم أمام اختبار حقيقي. الشتاء يقترب، والبرد يطرق الأبواب، لكن الاستعدادات لم تلامس بعد المستوى المطلوب. قصص خالد وأم مريم ويوسف ليست سوى جزء من مشهد أكبر، مشهدٌ ينتظر تدخلاً سريعاً قبل أن يترك الشتاء ندوباً جديدة في محافظة أرهقتها السنوات الماضية.