دمشق/ مرجانة إسماعيل
في أحد المقاهي القديمة بمنطقة أبو رمانة بدمشق، حيث تجلس دينا خليل، شابة في أوائل الثلاثينات، أمام حاسوبها المحمول تتابع أسعار الأسهم بحماس واهتمام. تقول دينا: “في البداية شعرت بالخوف، لم أتوقع أن أكون جزءاً من هذا العالم، لكن مع التعلم والممارسة اكتسبت الثقة وأصبحت قادرة على اتخاذ قرارات مالية تساعدني على مواجهة التضخم”، دينا واحدة من العديد من النساء الدمشقيات اللواتي بدأن اقتحام عالم الاستثمار في سوق الأوراق المالية، وهو تحول يعكس نقلة نوعية في الاقتصاد المحلي ودور المرأة في المجتمع.
سلوى فهد، سيدة أعمال في أواخر الأربعينات، تروي تجربتها قائلة: “عندما شرعت في الاستثمار، واجهت اعتراض بعض أفراد العائلة. كانوا يخشون المخاطرة، ويعتقدون أن البورصة ليست مجالاً للمرأة، لكنني كنت مصممة على إثبات أن النساء قادرات على اتخاذ قرارات مالية واعية”، قصتها تبرز التحدي الاجتماعي الذي يواجهه الكثير من النساء، لكنها تعكس أيضاً التصميم على تحقيق الاستقلال المالي.
أما ليلى مصطفى، محاسبة في شركة خاصة، فتشير إلى أن الصعوبة ليست فقط اجتماعية، بل تقنية أيضاً: “الكثير من النساء يفتقرن للمعرفة الكافية بأساسيات السوق المالي، وهذا يعرض المدخرات للخطر. قلة الدورات التدريبية باللغة العربية تجعل التعلم أصعب”، هذه العقبات تواجه جميع المستثمرين الجدد، لكنها تبدو أكثر وضوحاً بالنسبة للنساء اللواتي يدخلن هذا المجال حديثاً.
الخبير الاقتصادي سامر مراد يرى أن دخول النساء إلى سوق المال في دمشق ظاهرة إيجابية تعكس تطور دورهن في المجتمع ورغبتهن في تحقيق استقلال مالي. يقول مراد: “رغم الظروف الاقتصادية الصعبة، الفرص متاحة لمن يمتلك المعرفة والوعي الكافي، والنجاح يتطلب إدارة ذكية للمخاطر”، ويضيف أن ضعف خدمات الإنترنت، وصعوبة الوصول إلى منصات التداول، وأحياناً العوائق الأمنية والاجتماعية، تجعل الاستثمار أكثر تعقيداً للمرأة مقارنة بالرجل.
تشير إحصاءات بورصة دمشق إلى أن نسبة النساء العاملات في القطاع المالي تتراوح بين 35% و45%، وهو معدل متقدم نسبياً مقارنة بقطاعات أخرى في سوريا. النساء يعملن كوسطاء أسهم مرخصات، محللات ماليّات، مديرات استثمار، ومسؤولات عن متابعة حركة التداول اليومية. علاوة على ذلك، هناك تزايد ملحوظ في عدد النساء اللواتي يفتحن محافظ استثمارية لأول مرة، بحثاً عن وسيلة لتنويع مصادر الدخل، أو تحقيق استقلال مالي.
إحدى هؤلاء، هدى سليم، موظفة في شركة تجارية، تقول: “كنت أعتمد على راتبي فقط، لكن بعد فتح محفظة استثمارية شعرت بالاستقلالية، وأصبح لدي دخل إضافي يساعدني على مواجهة المصاريف اليومية”. هذه التجربة تعكس أهمية الاستثمار كأداة تمكين اقتصادي للمرأة، كما تساعد على كسر الصورة النمطية التي تقيدها في أدوار تقليدية، وتساهم في دعم الاقتصاد الوطني من خلال ضخ استثمارات جديدة وتشجيع الادخار.
سامر مراد يوضح أن الاستثمار في البورصة يمنح النساء فرصة لتنمية مهاراتهن التحليلية واتخاذ القرارات، وهو ما ينعكس إيجابياً على حياتهن اليومية والمهنية: “الاستثمار ليس مجرد مضاربة، بل تعليم مستمر في الاقتصاد والتحليل المالي وفهم المؤشرات، وهذا ينعكس على القرارات اليومية وإدارة الموارد الشخصية”.
برامج التدريب المالي المخصصة للمرأة تلعب دوراً كبيراً في تسهيل اندماجها في السوق. فرح حمادة، مدربة مالية، تقول: “الدورات باللغة العربية، التي تشرح أساسيات التداول وتحليل السوق، تمنح النساء ثقة أكبر وتسرع من اندماجهن في المجال”، هذه المبادرات تعزز القدرات الفردية وتساهم في رفع مستوى الاستثمارات بشكل عام، ما ينعكس إيجابياً على الاقتصاد المحلي، خصوصاً في ظل الظروف الصعبة للتضخم وتقلبات سعر الصرف.
يمثل دخول النساء إلى البورصة نموذجاً مشرقاً لقدرة المرأة الدمشقية على اقتحام مجالات متخصصة وإثبات كفاءتها. النجاح في هذا المجال هو استثمار في رأس المال البشري، ويؤكد أن دعم المرأة وتشجيعها في قطاع المال ليس خياراً ترفيهيّاً، بل ضرورة للنهوض بالاقتصاد وبناء مستقبل أكثر استقراراً للبلاد.