في وقت تتصاعد فيه التحديات الصحية عالمياً، جددت منظمة الصحة العالمية تأكيدها على أن اللقاحات تمثل خط الدفاع الأول لحماية الأطفال من الأمراض المهددة للحياة، مشيرة إلى أن برامج التحصين تشكل أحد أهم التدخلات الصحية وأكثرها فعالية من حيث الكلفة والنتائج. وتأتي هذه التصريحات في ظل تنامي المخاوف من تراجع نسب التلقيح في عدد من الدول المتأثرة بالأزمات، ومن بينها سوريا التي تشهد منذ سنوات صعوبات متزايدة في الحفاظ على منظومة التحصين الوطنية.
على المستوى العالمي، تؤكد المنظمة أن اللقاحات تنقذ سنوياً ما بين أربعة إلى خمسة ملايين حياة، من خلال الوقاية من أمراض معدية خطيرة مثل الحصبة وشلل الأطفال والدفتيريا والسعال الديكي، والتي كانت في الماضي من الأسباب الرئيسية لوفيات الأطفال دون سن الخامسة. وقد أسهمت حملات التطعيم الواسعة على مدى العقود الماضية في تقليص العبء الصحي لهذه الأمراض بشكل كبير، كما ساعدت على منع عودتها في معظم البلدان التي تمتلك أنظمة صحية مستقرة وتمويلاً كافياً. وترى المنظمة أن الحفاظ على هذه المكاسب يتطلب استمرار الالتزام الدولي بدعم برامج التطعيم، وتعزيز أنظمة الرعاية الصحية الأولية التي تشكل الحاضنة الأساسية لهذه البرامج.
أما في سوريا، فإن واقع التحصين يختلف كثيراً عما كان عليه قبل سنوات الحرب. فقد أدت سنوات النزاع الطويلة وما رافقها من انهيار في البنية التحتية الصحية، وتراجع التمويل الدولي، ونقص الكوادر الطبية، إلى تراجع نسب التغطية اللقاحية في عدد من المحافظات إلى مستويات مقلقة. وتشير تقارير منظمة الصحة العالمية واليونيسف إلى أن هذه الفجوات في التغطية ساهمت في عودة أمراض كانت تحت السيطرة سابقاً، مثل شلل الأطفال والحصبة، وهو ما شكّل تهديداً جدياً للصحة العامة خاصة في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية أو التي يصعب الوصول إليها.
من أبرز التحديات التي تواجه برامج التحصين السورية حالياً تعطل سلاسل التبريد التي تضمن الحفاظ على فعالية اللقاحات أثناء النقل والتخزين، إضافة إلى صعوبات كبيرة في الوصول إلى المناطق النائية أو المتضررة أمنياً. كما أدت هجرة عدد كبير من الكوادر الصحية إلى إضعاف قدرات الفرق الطبية العاملة في الميدان، بينما حدّ تقلص الدعم المالي من قدرة وزارة الصحة والمنظمات الشريكة على تنفيذ حملات تطعيم شاملة ومنتظمة كما كان الحال في السابق.
لمواجهة هذه التحديات، نفذت منظمة الصحة العالمية بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) ووزارة الصحة السورية، عدداً من حملات التطعيم الطارئة خلال السنوات الأخيرة، استهدفت الأطفال في المناطق التي شهدت فجوات لقاحية. وقد ساعدت هذه الحملات على تطويق بعض بؤر تفشي الأمراض المعدية، لكنها تبقى حلولاً مؤقتة لا تعالج جذور المشكلة المتعلقة بضعف المنظومة الصحية والتمويل غير المستقر.
تحذر المنظمة من أن أي تراجع إضافي في نسب التلقيح سيقود إلى مخاطر صحية كبيرة، خاصة مع اقتراب فصل الشتاء الذي تزداد فيه احتمالات تفشي الأمراض المعدية. كما دعت إلى ضرورة زيادة الدعم الدولي الموجه لبرامج التحصين في سوريا، وتعزيز قدرة النظام الصحي المحلي على ضمان وصول اللقاحات إلى جميع الأطفال بشكل منتظم وآمن، بغض النظر عن أماكن وجودهم أو ظروفهم المعيشية.
ويرى خبراء الصحة العامة أن استقرار برامج التحصين في سوريا يتطلب مقاربة شاملة تتضمن إعادة تأهيل سلاسل التبريد، وتثبيت الكوادر الطبية، وتطوير حملات توعية مجتمعية لتعزيز ثقة الأهالي بأهمية اللقاحات، إلى جانب توفير تمويل مستدام يضمن تنفيذ هذه الخطط على المدى الطويل. فحماية الأطفال من الأمراض التي يمكن الوقاية منها باللقاح ليست مجرد هدف صحي، بل هي ركيزة أساسية لضمان مستقبل أجيال بأكملها.
في ظل هذه المعطيات، تبدو اللقاحات أكثر من مجرد إجراء وقائي روتيني؛ إنها أداة استراتيجية لإنقاذ الأرواح والحفاظ على الاستقرار الصحي، خصوصاً في البلدان التي تواجه أزمات ممتدة مثل سوريا، حيث يشكل كل تطعيم ناجح خطوة مهمة في طريق استعادة منظومة الرعاية الصحية لقدرتها على حماية الفئات الأضعف في المجتمع.