لكل السوريين

بيوت الطين في ريف الرقة… إرثٌ من تراب وحنين

الرقة/ حسن الشيخ

في عمق أرياف الرقة ما زالت بعض البيوت الطينية القديمة صامدة رغم زحف الحداثة، شاهدةً على تاريخ طويل من البساطة، وحياة متجذرة في الأرض، وأسلوب عمارة مستوحى من البيئة، يجمع بين الجمال والعملية.

هذه البيوت، التي شُيّدت بأيادي الأجداد من الطين والقش والماء، كانت وما تزال نموذجا حياً عن علاقة الإنسان بالأرض، قبل أن تغزو مواد البناء الحديثة القرية وتُحدث قطيعة مع نمط عمراني امتد لقرون.

وبهذا الصدد أجرت صحيفتنا لقاء مع المسن فواز الحمود من قرية تل السمن (شمالي الرقة)، وقد تجاوز السبعين من عمره قال: “كنا نجمع التراب ونخلطه بالتبن، ثم نسكبه في قوالب لنجففه تحت الشمس. البيت كله كان يُبنى بهمة الأهل والجيران، دون حاجة لمهندس أو إسمنت. وكان البيت دافئاً في الشتاء، وبارداً في الصيف”.

وأضاف، بأنه بحكم نشاطهم الحياتي المبني على الزراعة وتربية الماشية فهذا الأمر يتطلب الاستقرار في قرى فكان خيار البناء الطيني ضرورة فرضتها ظروف الحياة، ونجح في تأمين بيئة سكنية مريحة تتماشى مع مناخ المنطقة الجاف والحار، كما أن صيانته كانت بسيطة، ويمكن إصلاح أي ضرر خلال يوم أو يومين.

عمارة تنسجم مع الطبيعة

ويرى الإداري بلجنة الثقافة والفن بعين عيسى إبراهيم العيسى بأن البيوت الطينية تمثل نموذجاً مستداماً للبناء، ويقول: “العمارة الطينية تحقق نوعا من التوازن مع البيئة؛ فموادها محلية وغير ملوثة، وخصائصها العازلة ممتازة. حتى النوافذ الصغيرة وأبواب الخشب كانت توضع بعناية لتسمح بدخول الضوء والهواء دون إفراط”.

ويشير إلى أن هذه العمارة يمكن أن تُستثمر اليوم في مشاريع سياحية بيئية، أو لإحياء التراث والهوية الريفية المعمارية.

ولفت العيسى، الى أن غياب برامج دعم التراث وعدم وجود توثيق حقيقي لهذه البيوت، بدأت تنهار واحدة تلو الأخرى، وتتحول إلى أطلال، كثير من السكان استبدلوا بيوتهم الطينية بكتل من البلوك والإسمنت، اعتقادا بأنها أكثر “حداثة”، رغم افتقارها للراحة المناخية.

ويشدد على أن هنالك ضرورة لتوثيق ما تبقى من هذه البيوت الطينية، وتصويرها، وربما ترميم بعضها وتحويلها إلى متاحف أو مراكز تراثية، حفاظاً على ما تبقى من ذاكرة الريف، الى جانب الحاجة إلى إقامة ورش عمل لتعليم الجيل الجديد هذا النوع من البناء، خاصة مع تصاعد الاهتمام العالمي بـ”العمارة الخضراء” و”التصميم المستدام”.

وأنهى حديثه بالقول: بيوت الطين الريفية ليست مجرد جدران وسقوف، بل فصلٌ كامل من تاريخ المنطقة، وحكمة معمارية تستحق أن تُروى للأجيال لا أن تُطمر تحت الإسمنت.

- Advertisement -

- Advertisement -