حلب/ خالد الحسين
في قلب مدينة حلب، وفي صرحٍ كان يُعد يومًا منارة للطب والشفاء، يقع مشفى حلب الجامعي الذي تحوّل اليوم إلى مسرحٍ لكارثة صحية صامتة. ليست آثار الحرب وحدها من خلّف هذا الدمار، بل الإهمال الذي حوّل أروقته إلى مستودعٍ للنفايات، يهدد حياة المرضى والطواقم الطبية.
لم يعد الحديث عن أزمة النفايات مجرد شكوى، بل أصبح واقعًا ملموسًا يصطدم به كل من يطأ عتبة هذا الصرح الطبي. منذ اللحظة الأولى لدخول المشفى، يستقبلك مشهد لا يُحتمل ورائحة كريهة لا تليق بمكان يفترض أن يكون ملاذًا للصحة. في الأقسام المختلفة، لا سيما العناية المشددة وقسم الطوارئ، تفيض سلات المهملات بالنفايات الملوثة. تختلط فيها المحاقن المستعملة والضمادات المغطاة بالدماء مع بقايا الطعام وعبوات المياه، في مشهد يبعث على القلق ويدل على فشل ذريع في أبسط مبادئ النظافة.
يتكرر هذا المشهد في الممرات، في ساحات المشفى الخلفية التي تحولت إلى مكبٍّ مفتوح يجذب إليه الحشرات والقوارض، ليصبح مصدرًا ثابتًا للأمراض. هذا الوضع ليس مجرد مظهر غير لائق، بل هو قنبلة موقوتة تهدد بانفجار وبائي في أي لحظة.
لإلقاء الضوء على عمق الأزمة، التقينا ببعض العاملين والمرضى الذين يعيشون هذه الظروف يوميًا.
تقول أم أحمد، التي ترافق ابنها المريض: “أخشى أن يصاب ابني بمرض آخر بسبب هذه القمامة التي لا تزال تتراكم حوله. رائحة الغرفة لا تُحتمل”.
بينما يشير الدكتور علي، طبيب مقيم، إلى أن “البيئة الملوثة في المشفى تولّد أمراضًا جديدة، وتجعل جهودنا لمكافحة الأمراض داخل العنابر شبه مستحيلة”. ويضيف: “كيف لنا أن نطلب من المريض أن يتعافى في بيئة كهذه؟”.
ويختصر “أبو محمود”، عامل النظافة، المشكلة قائلًا: “نحن عدد قليل جدًا مقارنة بحجم المشفى. كيف يمكن لعدد محدود من العمال أن يسيطروا على هذا الكم الهائل من النفايات؟ لا يوجد ما يكفي من أدوات أو رواتب”.
الأسباب والتداعيات
هذه الكارثة ليست وليدة اليوم، بل هي نتاج سنوات من الإهمال ونقص التمويل. فسنوات الحرب الطويلة خلّفت بنية تحتية متهالكة ونقصًا حادًا في الموارد البشرية والمادية. يضاف إلى ذلك غياب الرقابة الإدارية، ما أدى إلى فشل في تطبيق خطط فعالة لإدارة النفايات وتصنيفها والتخلص منها بشكل آمن.
تتجاوز خطورة هذا الوضع المظهر غير اللائق إلى تهديد حقيقي للحياة. فالنفايات الطبية المختلطة بالقمامة العادية تشكّل بؤرة خطيرة لانتقال العدوى المتقاطعة بين المرضى والطواقم الطبية، وتزيد من احتمالية تفشي الأوبئة. كما تساهم في تلوث البيئة المحيطة، وتتسبب في تدهور سمعة المشفى وفقدان ثقة الناس به.
حاولنا التواصل مع إدارة المشفى للحصول على تعليق، لكنهم فضلوا الصمت، وهو ما يشير إلى حجم المشكلة والعجز عن التعامل معها.
تبقى قضية مشفى حلب الجامعي مثالًا صارخًا على أن الصحة ليست مجرد قضية فردية، بل هي مسؤولية جماعية. يجب على الجهات المعنية أن تضع خطة فورية لإصلاح الوضع وتوفير الموارد اللازمة، من عمال نظافة أكفاء إلى معدات حديثة وأنظمة فعالة لإدارة النفايات.
فالنظافة في المؤسسات الصحية ليست رفاهية، بل حق أساسي لا يمكن المساومة عليه. فهل سيُستجاب لهذه النداءات قبل فوات الأوان وتتحول الكارثة الصامتة إلى وباء حقيقي؟