حماة/ جمانة الخالد
في عيادة طبية صغيرة بحماة، يجلس الدكتور نزار قاسم، الطبيب النفسي الوحيد الذي بقي في الحي، يستمع إلى قصة محمد (24 عاماً)، الشاب الذي يعاني من نوبات هلع متكررة منذ أن فقد أفراد عائلته في غارة جوية قبل خمس سنوات. “أحياناً أستيقظ ليلاً وأنا أصرخ ولا أستطيع التنفس”، يقول محمد بصوت مرتجف. “لكن والدي يقول إن هذا ضعف إيمان ويجب أن أذهب إلى المسجد”.
قصة محمد ليست سوى حلقة في سلسلة معاناة يعيشها الشباب السوري مع تدهور الصحة النفسية في بلد أنهكته الحرب. فبحسب تقديرات منظمة الصحة العالمية، يعاني أكثر من 27% من السوريين من اضطرابات نفسية، وتصل النسبة إلى 45% بين الفئات الأكثر تأثراً بالصراع.
الدكتورة لمياء الحسين، أخصائية نفسية في دمشق، توضح أن “الجيل الأكبر سناً لا يزال ينظر إلى الأمراض النفسية على أنها وصمة عار أو ضعف في الشخصية. بينما الجيل الشاب أكثر وعياً لكنه يفتقر إلى المصادر الموثوقة والدعم المناسب”.
سارة (22 عاماً) من حمص، تروي كيف عانت من الاكتئاب بعد فقدانها منزلها وعملها. “عندما حاولت الحديث مع عائلتي عن مشاعري، قالوا لي: ‘انشغلي بالبحث عن عمل بدل التفكير في أشياء غير موجودة'”. تضيف سارة: “بحثت على الإنترنت عن حلول، لكن النصائح المتضاربة زادت من حيرتي”.
هذه الفجوة بين الأجيال تخلق بيئة صعبة للتعافي. فمن ناحية، يرفض كبار السن الاعتراف بالمشكلة، ومن ناحية أخرى، يلجأ الشباب إلى الإنترنت حيث تنتشر المعلومات المضللة.
الدكتور علي إبراهيم، أستاذ علم النفس في جامعة دمشق، يحذر من خطورة هذا الوضع: “كثير من الشباب يقومون بتشخيص أنفسهم بناء على ما يقرأونه على وسائل التواصل الاجتماعي، وهذا قد يؤدي إلى تفاقم المشكلة بدلاً من حلها”.
التكلفة الباهظة للعلاج النفسي تشكل عائقاً إضافياً. فجلسة العلاج الواحدة قد تصل كلفتها إلى 50 دولاراً، وهو مبلغ يعادل راتب شهر كامل لموظف حكومي. هذا الواقع يدفع الكثيرين إلى التخلي عن العلاج رغم حاجتهم الماسة إليه.
أحمد (28 عاماً) من حمص، يعاني من اضطراب ما بعد الصدمة بعد سنوات من القتال. “ذهبت إلى عيادة نفسية وطلبت مني 30 دولاراً لكل جلسة”، يقول أحمد. “كيف أدفع هذا المبلغ وأنا بالكاد أستطيع تأمين الطعام لعائلتي؟”
الإنترنت أصبح الملاذ الوحيد للكثيرين، لكنه ملاذ محفوف بالمخاطر. دراسة حديثة أجرتها جامعة دمشق أظهرت أن 70% من الشباب السوري يبحثون عن معلومات نفسية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وأن 60% من هذه المعلومات غير دقيقة أو مضللة.
نور (25 عاماً) من حماة، تقول: “كنت أتابع إحدى المؤثرات على TikTok التي كانت تقدم نصائح عن الاكتئاب. اكتشفت أنها ليست مختصة وأن نصائحها كانت خطيرة”.
الذكاء الاصطناعي أيضاً دخل على خط هذه المعضلة. بعض التطبيقات تقدم تشخيصاً نفسياً آلياً، لكن الخبراء يحذرون من محدودية هذه الأدوات. الدكتورة سمر الداوود، باحثة في مجال الصحة النفسية الرقمية، توضح أن “الذكاء الاصطناعي لا يستطيع فهم السياق الثقافي والاجتماعي السوري المعقد، مما قد يؤدي إلى تشخيص خاطئ”.
هذا الواقع المأساوي دفع بعض المنظمات المحلية إلى ابتكار حلول إبداعية. “مشروع الأمل” في إدلب، على سبيل المثال، يقدم جلسات دعم نفسي مجانية عبر تطبيق واتساب، مستفيداً من متطوعين من خريجي علم النفس.
وليد (30 عاماً)، أحد المستفيدين من هذه الخدمة، يقول: “لم أكن أستطيع الذهاب إلى عيادة بسبب الوضع الأمني، لكن الجلسات عبر الواتساب ساعدتني كثيراً”.
رغم كل هذه التحديات، هناك بصيص أمل. فعدد المختصين في الصحة النفسية آخذ في الازدياد، والوعي المجتمعي يتنامى وإن كان ببطء. بعض العائلات بدأت تتقبل فكرة العلاج النفسي، خاصة بعد أن رأت نتائجه الإيجابية على أفرادها.
الدكتور قاسم يختتم حديثه بالأمل: “رحلة التعافي طويلة، لكن كل شجاع يطلب المساعدة هو انتصار على الوصمة والجهل. نحن نعمل على بناء جسر بين المعاناة والأمل، خطوة واحدة في كل مرة”.
في سوريا التي أنهكتها الحرب، تبقى المعاناة النفسية هي الجرح الأعمق والأصعب للشفاء. لكن مع تزايد الوعي وبروز مبادرات الدعم، ربما يجد الشباب السوري الطريق إلى التعافي، ليس فقط من آثار الحرب، ولكن من وصمة العار التي تمنعهم من طلب المساعدة.