درعا/ رجاء مختار
بعد أكثر من عقد من العزلة القسرية التي فرضتها ويلات الحرب، تلمح بصرى الشام، جوهرة المحافظات السورية وأحد أبرز شواهد التاريخ الإنساني، إلى إمكانية عودة الحياة إلى طبيعتها. ففي مشهد اعتبره المراقبون مغايراً تماماً للصورة النمطية التي رُسخت عن سوريا خلال السنوات الماضية، استقبلت المدينة الأثرية وفداً سياحياً دولياً هو الأول من نوعه منذ اندلاع النزاع.
الوفد، الذي ضخ دماء جديدة من الأمل في شرايين المدينة الخالدة، ضم 57 سائحاً وسائحة قادمين من خلفيات ثقافية وجغرافية متنوعة، من بينهم أكاديميون ومهندسون معماريون من الولايات المتحدة وبريطانيا والصين، بالإضافة إلى مستشرقين مهتمين بتاريخ الحضارات. لم يكن مجرد زيارة عابرة، بل كانت رحلة استكشافية لأعماق تاريخ يمتد لآلاف السنين، توجها الزوار بإعجاب صادق بالكنوز التي تزخر بها هذه البقعة الفريدة من العالم.
لم يتمالك أحد السياح نفسه وهو يقف أمام المسرح الروماني العظيم، مندهشاً من روعة البناء وقدرته على تحدى الزلازل والزمن. عبر عن مشاعره قائلاً: “هذا ليس مجرد مبنى حجري؛ إنه سيمفونية معمارية نادرة. دقة الهندسة والصوتيات هنا تتفوق على كثير من المنشآت الحديثة. إنه شاهد حي على عبقرية الإنسان عندما يريد أن يخلد فنه”.
لم يتوقف إعجاب الضيوف عند المدرج الروماني الشهير، بل امتد ليشمل نسيج المدينة الفسيفسائي الفريد، حيث التعايش الذي تحول إلى حجر. يوكو تاناكا، باحثة في الأديان المقارنة من اليابان، وقفت طويلاً أمام ذلك التجاور العجيب بين كنيسة بصرى المسقوفة، وهي الوحيدة من نوعها على مستوى العالم، والمسجد الفاطمي القديم. علقت على المشهد بقولها: “هذا المكان لا يروي تاريخاً دينياً فحسب، بل يروي قصة إنسانية سامية عن التعايش والاحترام المتبادل. إنه درس للعالم أجمع في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى مثل هذه الدروس”.
الزيارة لم تخلُ من بعدٍ تحذيري جاد، حيث نبه عدد من الخبراء في الوفد من المخاطر التي تهدد هذا الإرث الإنساني. الدكتورة إيما تشين، خبيرة ترميم الآثار من الصين، حذرت من التوسع العمراني العشوائي الذي يلف المدينة القديمة، مشددة على أن “بصرى هي ملك للإنسانية جمعاء، وواجبنا جميعاً حمايتها من أي اعتداء أو إهمال. الحفاظ على هذه المواقع المسجلة على لائحة التراث العالمي هو مسؤولية دولية، وليس محلية فحسب”.
ومع أن بصرى، التي تضم أكثر من 45 موقعاً أثرياً مسجلاً، لم تسلم من ندوب الحرب وآثار الدمار التي طالت معالم بارزة مثل “سرير بنت الملك” وعدداً من المساجد الأثرية، إلا أن صمودها أصبح جزءاً من قصتها الخالدة. عودة السياح، ولو بشكل بطيء ومحسوب، تبعث رسالة مفادها أن جمال التاريخ وقوة التراث أقوى من كل دعوات التدمير، وأن أصداء الأغاني والصلوات التي ترددت في مدرجها قبل ألفي عام، قادرة على أن تعود مرة أخرى لتملأ الأجواء بأمل جديد، يثبت أن هذه الأرض كانت، وستبقى، صرحاً شامخاً يحكي قصة الإنسان.