لكل السوريين

دعوة لوقف الحروب وتعزيز ثقافة السلام في سوريا

انعام نيوف

يحيي العالم في الحادي والعشرين من أيلول من كل عام اليوم الدولي للسلام، الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة منذ عام 1982 ليكون مناسبة عالمية لترسيخ مفهوم السلم داخل الدولة الواحدة وبين الدول. وفي عام 2001، تقرر أن يكون هذا اليوم محطة للدعوة إلى وقف إطلاق النار ووقف جميع أشكال العنف، ونشر وعي قائم على ثقافة التسامح والتفاهم. ويهدف هذا اليوم إلى تعزيز المثل العليا للسلام بين الأمم والشعوب، ودعوة جميع الدول للالتزام بوقف الأعمال العدائية خلال هذا اليوم، مع العمل على نشر ثقافة السلام على كافة المستويات.

يعد السلام من أكثر الأمور التي تسعى الشعوب إلى تحقيقها بعد ويلات الحروب التي عانت منها على مر العصور، والتي أودت بحياة الملايين من البشر. فقد أصبح مفهوم السلام اليوم يشمل نبذ الصراعات والنزاعات والاضطرابات العنيفة والحروب بين الأمم والشعوب، والسعي لحل جميع المشاكل والنزاعات بعيداً عن العنف، عبر المناقشات والمحاورات ووسائل التفاهم السلمية.

وفي هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى ما تعانيه شعوب منطقتنا، التي عانت لسنوات طويلة من التدخلات والاحتلالات الخارجية وما صاحبها من تدمير وقتل وتشريد، تحت شعارات مختلفة. كما عانت هذه الشعوب من الأنظمة التسلطية التي احتكرت مصادر القوة والثروة، ومارست كافة أشكال القمع والاضطهاد وانتهاك حقوق الإنسان الأساسية، تحت شعارات السيادة الوطنية والاستقرار والحماية من الضغوط الخارجية أو ما يسمى بخطر الحركات الراديكالية. بالإضافة إلى ذلك، كانت الشعوب ضحية بعض الحركات العنفية التي تمارس الإرهاب والقتل العبثي تحت شعارات أيديولوجية طائفية تكفيرية.

كل هذه العوامل أنتجت مناخاً يشبه التواطؤ الصريح والضمني بين القوى الثلاثة: الاحتلال الخارجي، الاستبداد الداخلي، والحركات العنيفة، بما أدى إلى إعادة إنتاج دائرة العنف والصراعات على الدوام. وأدى هذا المناخ إلى دفع الشعوب وأوطانها ثمن هذه الحلقة العبثية، وخلق شعوراً بالإحباط واليأس وفقدان الأمل، مما أسهم في نشوء ثقافة الكراهية والعنف والعنصرية، وزاد من الاحتقان الاجتماعي إلى حد الاقتراب من التفجر. ومع فقدان الأمل بالمستقبل، ظهرت المعيقات البنيوية أمام المجتمعات في تبني ثقافة السلام والتسامح والحوار واحترام الاختلاف والتنوع، ما جعل التحديات الحاضرة والمستقبلية أكثر مأزقية وإشكالية ومحفوفة بالمخاطر.

إن ما شهدته المنطقة خلال السنوات الماضية شكل تحدياً صارخاً لكل دعوات السلم والتنمية ومحاربة الفقر والبطالة والفساد وتحقيق الاستقرار. فالانتهاكات الواسعة النطاق في سوريا والعراق ولبنان وفلسطين والجولان السوري تتجاهل القانون الدولي والاتفاقيات الدولية ذات الصلة، وتترك آثاراً اجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية خطيرة، متجاوزة كل الأعراف الدولية والإنسانية. هذا الوضع يستدعي التوجه إلى الأمم المتحدة والهيئات الدولية والحقوقية، والمطالبة منها بتحمل مسؤولياتها وزيادة دورها المستقل والعادل، عبر التدخل والضغط على الحكومة التركية ودولة إسرائيل لإعادة الحقوق إلى أصحابها في فلسطين ولبنان وعفرين وريفها ورأس العين والجولان. ويجب أن يترافق هذا الدور الدولي مع الضغط على حكومات المنطقة لإلزامها بالمواثيق والاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان.

لكن تحقيق السلام عملية مركبة ومعقدة، وجسرها الأساسي يكمن في تفعيل دور المجتمع المدني في جميع دول المنطقة، على أساس ثقافة السلام والديمقراطية والمشاركة، ومساعدة هذه المجتمعات في ممارسة دورها الفعلي في عملية بناء السلام. فالسلم ليس مجرد غياب للحرب، بل هو حق إنساني أساسي، وهو الضمانة التي بدونها لا يمكن ممارسة بقية الحقوق. وقد توسعت معاني السلام لتشمل جميع الممارسات وأنماط السلوك في مراحل ما قبل النزاعات وأثناءها وما بعدها، بما يشمل إعادة بناء البنى الاجتماعية التي مزقتها النزاعات، ومعالجة الجروح النفسية، وتأسيس علاقات تقوم على التسامح والمصلحة المشتركة.

وإزاء هذه المعاني، تتضح النقاط التي يجب أن تنصب عليها جميع الجهود، ومنها: التعبئة الشاملة ضد الحروب وكل أشكال العنف، والاعتراف بحقوق الإنسان واحترامها، وتشجيع قيم التسامح والتفاهم، وتمكين المرأة من المساهمة الفاعلة في عملية بناء السلام وتعزيزه واستدامته، والحرص على الدور العملي للمنظمات غير الحكومية في مواجهة آثار العنف المباشر وغير المباشر، والعمل على إيجاد حلول لقضايا متجذرة في بناء السلام، بما يشمل التوازن البيئي، وإخراج الأطفال الجنود من الجيوش وإعادة دمجهم في المجتمع، والحد من النزعة العسكرية، ونزع الأسلحة، وتعزيز التنمية الاقتصادية والسياسية والبيئية المستدامة، والمشاركة الفاعلة في إدارة الموارد، وتبني الوسائل غير العنيفة لإدارة النزاعات وتحويلها وفضها، وبناء ثقافة السلام القائمة على الحوار والتشارك بين مختلف المكونات الثقافية والاجتماعية، بما يشكل بديلاً لثقافة العنف لدى جميع الأطراف.

كما يجب أن يتضافر التعاون بين الجهات الحكومية وغير الحكومية لإعادة الأمل والطمأنينة للأطفال والضحايا الذين يحملون عاهات مادية ومعنوية، ولإعادة الفرح والطمأنينة لمن فقدوا ذويهم نتيجة الحروب، والعمل على إزالة الألغام المنتشرة في مختلف المناطق السورية والتي تخلف ضحايا من الأطفال والكبار على حد سواء، مع تعزيز التشريعات التي تحد من حمل السلاح في البلاد. وينبغي تكثيف الجهود الشعبية والحقوقية من جميع المكونات لمواجهة الممارسات العنصرية، التي تعتمد على التهجير القسري والعنيف والتطهير العرقي، والوقوف بحزم أمام كل الممارسات التي تهدف إلى تغيير البنى الديمغرافية لأهداف عرقية وعنصرية، بما يهدد السلم الأهلي والتعايش المشترك.

كما يجب إلغاء جميع التحفظات على الاتفاقيات الدولية التي وضعها النظام السابق، وتفعيل استخدام الإجراءات الدولية لحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية، وحماية المدافعين عن حقوق الإنسان، ومنح منظمات حقوق الإنسان وضعية قانونية تتيح لها المشاركة الفاعلة والواسعة في الحياة العامة. كما يتطلب الأمر إعداد خطة عمل وطنية لتنفيذ القرار 1325 بمساعدة المؤسسات المحلية والدولية والباحثين، على أن تأخذ الخطة في الاعتبار الاحتياجات الخاصة للنساء في مخيمات اللاجئين، والسجينات، والمختفيات، ومعالجة الآثار المدمرة لانفصال الأسرة وافتراقها، والعوائق التي تحد من الحركة والتنقل، وتأثير الحروب على الصحة النفسية والجسدية للمرأة والوضع الاقتصادي وفرص التعليم.

يبقى الهدف الأسمى لكل هذه الجهود أن يتحقق السلام المستدام، وأن تتحول هذه المبادرات إلى خطوات عملية وواقعية تعيد بناء الثقة بين الشعوب والمجتمعات، وتعيد الأمل في المستقبل، بحيث يصبح السلام جزءاً لا يتجزأ من حياة المواطنين اليومية، ويشكل أساساً للتنمية المستدامة والعيش المشترك في سوريا والمنطقة.

- Advertisement -

- Advertisement -