لم يعد السؤال المطروح في الشرق الأوسط اليوم متعلقاً بمن سيربح الحرب، بل بمن سيملك القدرة على تحمّل كلفتها السياسية والاقتصادية. فالصراع الإقليمي الذي انفجر مطلع عام 2026 لم يكشف فقط حدود القوة العسكرية، بل كشف أيضاً حجم التحول الذي يطرأ على الاستراتيجية الأميركية في المنطقة، وانتقال واشنطن التدريجي من منطق الهيمنة المباشرة إلى إدارة الأزمات بأقل الخسائر الممكنة.
فعلى مدى عقود، شكّل التحالف الأميركي – الإسرائيلي العمود الفقري للمنظومة الأمنية في الشرق الأوسط. وكانت إسرائيل تُقدَّم باعتبارها الحليف الأكثر ثباتاً لواشنطن، والذراع القادرة على فرض التوازنات الإقليمية بالقوة العسكرية. إلا أن تطورات الأشهر الأخيرة أظهرت بوضوح أن المصالح بين الطرفين لم تعد متطابقة كما كانت في السابق.
لقد دخلت الولايات المتحدة المواجهة الأخيرة بخطاب حاد وسقف مرتفع؛ حديث عن تفكيك كامل لمحور المقاومة، وإضعاف إيران استراتيجياً، وإعادة رسم ميزان القوى في المنطقة. غير أن الوقائع الميدانية سرعان ما فرضت حسابات مختلفة تماماً.
فبعد أشهر من التصعيد، لم تنهَر الدولة الإيرانية، ولم يتحقق الحسم العسكري الموعود، بينما بدأت كلفة الحرب الاقتصادية تضغط بقوة على الداخل الأميركي والغربي. ومع ارتفاع أسعار الطاقة وتعطل حركة الملاحة واهتزاز الأسواق العالمية، اكتشفت واشنطن أن استمرار الحرب لم يعد يخدم مصالحها الكبرى، بل يهدد استقرارها الاقتصادي في لحظة دولية شديدة الحساسية.
وهنا تحديداً ظهر التحول الحقيقي في الاستراتيجية الأميركية.
البيت الأبيض لم يتراجع بسبب تبدل أيديولوجي أو اقتناع أخلاقي بضرورة التهدئة، بل لأن الاقتصاد العالمي فرض إيقاعه على القرار السياسي. فإغلاق مضيق هرمز، حتى بشكل جزئي، أعاد التذكير بحقيقة غالباً ما تجاهلتها القوى الكبرى: الجغرافيا ما تزال أقوى من التكنولوجيا.
ورغم التفوق العسكري الهائل، عجزت القوة الأميركية عن ضمان أمن الممرات البحرية من دون الانزلاق إلى حرب برية واسعة النطاق، وهي مغامرة لا يملك الشارع الأميركي أي استعداد لتحملها بعد تجارب العراق وأفغانستان.
لذلك، انتقلت واشنطن سريعاً من خطاب “الحسم” إلى خطاب “الاحتواء”، ومن فكرة إسقاط الخصوم إلى البحث عن تفاهمات تضمن الحد الأدنى من الاستقرار. إنها براغماتية القوة العظمى حين تصطدم بحقائق الاقتصاد والسياسة الداخلية.
لكن هذا التحول وضع إسرائيل أمام أزمة غير مسبوقة.
فبنيامين نتنياهو بنى مشروعه السياسي طوال سنوات على فكرة الردع المطلق، وعلى تقديم القوة العسكرية باعتبارها الطريق الوحيد لضمان الأمن الإسرائيلي. ولذلك، فإن أي اتفاق لا ينتهي بانهيار الخصم يُنظر إليه داخل إسرائيل باعتباره فشلاً استراتيجياً، لا مجرد تسوية سياسية.
اليوم، تبدو تل أبيب أكثر قلقاً من أي وقت مضى. فواشنطن التي منحت الغطاء السياسي والعسكري الكامل في بداية المواجهة، باتت تضغط باتجاه التهدئة، بينما يشعر جزء متزايد من الشارع الإسرائيلي بأن الحرب لم تحقق أهدافها الحقيقية.
هذا التباين خلق شرخاً واضحاً بين أولويات الطرفين؛ الولايات المتحدة تريد حماية الاقتصاد العالمي وتخفيف التوتر استعداداً لمواجهة تحديات أكبر، وعلى رأسها الصين، بينما ترى إسرائيل أن أي تراجع الآن سيُفسَّر إقليمياً على أنه ضعف استراتيجي.
وفي الحقيقة، فإن ما يجري يتجاوز مجرد خلاف تكتيكي بين حليفين. نحن أمام إعادة تعريف كاملة لدور الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
فالإدارة الأميركية لم تعد ترى المنطقة باعتبارها مركز العالم كما كان الحال بعد الحرب الباردة، بل أصبحت تنظر إليها من زاوية “إدارة المخاطر” لا “صناعة الهيمنة”. الأولوية اليوم لم تعد إسقاط الأنظمة أو إعادة هندسة الشرق الأوسط، بل حماية الاقتصاد الأميركي ومنع الانهيارات الكبرى وضبط التوازنات بأقل تكلفة ممكنة.
ومن هنا يمكن فهم التحولات الأخيرة: تقليل الانخراط العسكري المباشر، الاعتماد على الدبلوماسية أكثر من التدخل، ومحاولة تجنب الحروب المفتوحة التي تستنزف الموارد الأميركية في وقت تستعد فيه واشنطن لمنافسة عالمية طويلة مع بكين.
الشرق الأوسط بدوره بدأ يتغير تبعاً لهذه المعادلة الجديدة.
فالقوى الإقليمية باتت تدرك أن المظلة الأميركية لم تعد مطلقة كما كانت، وأن واشنطن قد تتراجع في اللحظة التي تصبح فيها الكلفة الاقتصادية أعلى من المكاسب السياسية. وهذا ما يدفع دول المنطقة إلى إعادة حساباتها الأمنية، وبناء توازنات أكثر تعقيداً بعيداً عن الاعتماد الكامل على القوة الأميركية.
أما إسرائيل، فتواجه للمرة الأولى احتمال أن تتحول من “أصل استراتيجي” إلى عبء سياسي واقتصادي على حليفها الأكبر، خاصة إذا استمرت الحروب المفتوحة في تهديد استقرار الأسواق والطاقة العالمية.
وفي المحصلة، فإن ما بعد 2026 لن يشبه ما قبله. فالشرق الأوسط يدخل مرحلة جديدة تتراجع فيها الهيمنة الأحادية تدريجياً، وتتصاعد فيها أدوار القوى الإقليمية، بينما تتحول الولايات المتحدة من شرطي مباشر للمنطقة إلى قوة تدير التوازنات من الخلف.
قد لا يكون الانسحاب الأميركي كاملاً، لكنه بالتأكيد لم يعد ذلك الحضور المطلق الذي حكم المنطقة لعقود. وهذه الحقيقة وحدها كفيلة بإعادة رسم خرائط النفوذ والتحالفات في الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة.