لكل السوريين

واشنطن تطرح دوراً سورياً في مواجهة حزب الله.. حسابات معقدة ومخاطر تتجاوز لبنان

يثير طرح متداول داخل بعض الأوساط الأميركية بشأن إمكانية إسناد دور عسكري للجيش السوري في مواجهة حزب الله داخل لبنان نقاشاً واسعاً، وسط تحذيرات من أن مثل هذا الخيار قد يحمل تداعيات تتجاوز حدود البلدين، وتمتد إلى المشهد الإقليمي بأكمله.

ويُقدَّم هذا التصور باعتباره أحد الخيارات التي قد تقلل من الانخراط العسكري المباشر للولايات المتحدة وإسرائيل في التعامل مع ملف سلاح حزب الله، إلا أن خبراء ومحللين يرون أن تطبيقه يواجه عقبات سياسية وأمنية وتاريخية معقدة، قد تجعل كلفته أكبر من المكاسب المتوقعة.

وتستند الفكرة إلى فرضية مفادها أن القيادة السورية الجديدة، التي تولت السلطة عقب سقوط نظام بشار الأسد عام 2024 بقيادة أحمد الشرع، قد تكون أكثر قدرة على التحرك في البيئة الحدودية اللبنانية مقارنة بإسرائيل، خاصة في المناطق التي يتمتع فيها حزب الله بنفوذ واسع. غير أن هذه الفرضية تصطدم بحساسيات متراكمة تجعل أي تحرك عسكري من هذا النوع بالغ التعقيد.

ويرى مؤيدو الطرح داخل بعض الدوائر الأميركية أن الضغوط السياسية والوسائل غير المباشرة لم تحقق تقدماً ملموساً في ملف سلاح حزب الله، ما يدفع إلى البحث عن أدوات إقليمية جديدة، في إطار توجه أوسع يهدف إلى تقليص الانخراط العسكري الأميركي المباشر والاعتماد بصورة أكبر على شركاء محليين وإقليميين.

في المقابل، يعتبر منتقدو المقترح أن هذا النهج يتجاهل طبيعة الصراعات المركبة في المنطقة، حيث تتداخل الاعتبارات السياسية والطائفية والتاريخية مع الحسابات العسكرية، بما يزيد احتمالات تحول أي مواجهة محدودة إلى صراع إقليمي مفتوح.

ويحضر في هذا السياق الإرث التاريخي للعلاقات اللبنانية السورية، إذ لا يزال الوجود العسكري السوري في لبنان بين عامي 1976 و2005 يشكل عنصراً مؤثراً في الذاكرة السياسية اللبنانية، خصوصاً لدى القوى التي ترى أن أي عودة عسكرية سورية، مهما كانت مبرراتها، تمثل مساساً بالسيادة الوطنية وإحياءً لمرحلة الوصاية التي انتهت بانسحاب القوات السورية عقب اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري.

كما تبدي قوى لبنانية، بما فيها أطراف تعارض بقاء سلاح حزب الله خارج سلطة الدولة، تحفظات على أي دور عسكري سوري، معتبرة أن مثل هذه الخطوة قد تؤدي إلى تعقيد المشهد الأمني بدلاً من احتوائه.

وتزداد حساسية المقترح بالنظر إلى مشاركة حزب الله لسنوات في الحرب السورية إلى جانب نظام الأسد، وهو ما خلّف إرثاً من العداء مع عدد من الفصائل السورية، تشير تقديرات إلى أن بعضها أصبح جزءاً من المؤسسة العسكرية السورية الجديدة أو يرتبط بها بصورة أو بأخرى.

ويرى محللون أن هذا الإرث قد يمنح أي مواجهة محتملة أبعاداً تتجاوز الحسابات العسكرية، ويعيد إلى الواجهة الاستقطاب الطائفي الذي شهدته المنطقة خلال سنوات الحرب السورية، وهو سيناريو تسعى أطراف إقليمية ودولية إلى تجنبه في المرحلة الحالية.

ومن جهة أخرى، تواجه سوريا تحديات داخلية كبيرة في مرحلة إعادة بناء مؤسسات الدولة واستعادة الاستقرار، وسط استمرار أعباء إعادة الإعمار والتحديات الأمنية، بما في ذلك نشاط خلايا تنظيم الدولة الإسلامية في بعض المناطق.

وفي هذا السياق، يشكك خبراء في قدرة الجيش السوري، بصيغته الحالية، على خوض عمليات عسكرية خارج الحدود، في ظل محدودية الإمكانات البشرية واللوجستية واستمرار الأولويات الأمنية الداخلية، معتبرين أن أي انخراط عسكري في لبنان قد يؤثر في مسار إعادة بناء الدولة ويستنزف مواردها.

أما في لبنان، فيُنظر رسمياً إلى أي تدخل عسكري خارجي باعتباره مساساً بالسيادة الوطنية، في وقت لا يزال فيه ملف سلاح حزب الله أحد أكثر القضايا إثارة للانقسام الداخلي، الأمر الذي يجعل أي تدخل إقليمي عاملاً قد يزيد تعقيد الأزمة بدلاً من الإسهام في حلها.

كما يثير المقترح تساؤلات بشأن مدى اتساق السياسة الأميركية، التي تؤكد باستمرار دعمها لسيادة لبنان، مع طرح سيناريو يمنح دولة إقليمية دوراً عسكرياً مباشراً في أحد أكثر الملفات حساسية داخل البلاد.

ويحذر منتقدو هذا التوجه من أن إشراك أطراف إقليمية، سواء كانت سوريا أو إيران أو إسرائيل، في إدارة الملف اللبناني أمنياً قد يضعف مفهوم السيادة الذي تؤكد واشنطن دعمها، ويكرس الاعتماد على الحلول العسكرية في معالجة أزمات ذات جذور سياسية معقدة.

ولا تقتصر المخاطر المحتملة على الساحة اللبنانية، إذ يرى مراقبون أن انخراط الجيش السوري في عمليات خارجية قد يخلق فراغات أمنية داخل سوريا، بما يمنح الجماعات المتشددة فرصة لإعادة تنظيم صفوفها واستغلال انشغال القوات الحكومية بمهام خارج الحدود.

وفي المقابل، يعتبر عدد من المحللين أن المسار الدبلوماسي بين لبنان وإسرائيل، برعاية دولية، يبقى الخيار الأكثر واقعية لمعالجة القضايا الأمنية العالقة، بما في ذلك ترتيبات الحدود والضمانات الأمنية، رغم بطء هذا المسار وصعوبة التوصل إلى تفاهمات شاملة.

وفي المحصلة، يعكس الحديث عن إشراك الجيش السوري في مواجهة حزب الله توجهاً لإعادة توزيع الأدوار الأمنية في الشرق الأوسط، لكنه يطرح في الوقت ذاته تساؤلات جوهرية بشأن انعكاساته على استقرار لبنان، ومسار التعافي السوري، والتوازنات الإقليمية الهشة. وبين تعقيدات التاريخ، وحسابات الحاضر، وتحديات المرحلة الانتقالية في سوريا، يرى مراقبون أن هذا الخيار قد يحمل مخاطر تفوق فرص نجاحه، ما يجعل الحلول السياسية والدبلوماسية أكثر قابلية للاستمرار على المدى البعيد.

- Advertisement -

- Advertisement -