هرمز بعد انتهاء مهلة الستين يوماً.. واشنطن وطهران على حافة مواجهة جديدة
انهيار المسار التفاوضي يرفع منسوب التهديدات.. وإيران تلوّح بكسر الحصار وترامب يصعّد ضد طهران ومسقط
دخلت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة أكثر خطورة مع انتهاء مهلة الستين يوماً التي حددها التفاهم المؤقت الموقع في حزيران/يونيو، من دون التوصل إلى اتفاق نهائي ينهي الحرب ويفتح الطريق أمام تسوية أوسع، فيما تحوّل مضيق هرمز إلى مركز الصراع وواحد من أبرز أوراق الضغط المتبادلة بين واشنطن وطهران.
وبدلاً من أن تكون نهاية المهلة محطة للانتقال إلى اتفاق سياسي، جاءت الساعات الأخيرة محمّلة بتصريحات أكثر حدة، إذ طالب الرئيس الأميركي دونالد ترامب إيران بالاستسلام، مهدداً في الوقت نفسه سلطنة عُمان بالعمل العسكري إذا اعتبر أنها تعرقل المساعي الأميركية المتعلقة بالمضيق.
وفي المقابل، رفعت طهران سقف ردها، معلنة انتقالها من سياسة الدفاع إلى ما وصفه مسؤول إيراني رفيع المستوى بـ«الهجوم بالكامل»، ومهددة بتنفيذ هجوم عسكري «في الوقت المناسب وبدقة» إذا فشلت الجهود الدبلوماسية في إنهاء الحصار البحري الأميركي.
مهلة انتهت واتفاق لم يكتمل
كان التفاهم المؤقت الذي أُعلن عنه في حزيران/يونيو يهدف إلى وقف الأعمال القتالية وفتح الباب أمام مفاوضات بشأن اتفاق دائم، بما في ذلك الملف النووي الإيراني وترتيبات الملاحة في مضيق هرمز.
لكن الاتفاق سرعان ما دخل في دوامة من الاتهامات المتبادلة بخرقه، قبل أن تتعثر المفاوضات بصورة أكبر، وتصبح قضية المضيق العقبة الأكثر حساسية أمام أي تسوية. ومع انتهاء مهلة الستين يوماً في 17 آب/أغسطس، لم يكن هناك اتفاق نهائي أو إعلان واضح عن تمديد المسار التفاوضي.
وتكمن خطورة اللحظة الحالية في أن انتهاء المهلة لا يعني تلقائياً اندلاع حرب شاملة، لكنه يسقط أحد الأطر الزمنية التي كانت تمنح الدبلوماسية مساحة للمناورة، ويفتح الباب أمام إعادة ترتيب الخيارات العسكرية والسياسية لدى الطرفين.
هرمز.. من ممر تجاري إلى ورقة حرب
لم يعد مضيق هرمز مجرد ملف يتعلق بحرية الملاحة، بل أصبح محوراً للصراع على النفوذ والسيادة وشروط إنهاء الحرب.
وتسعى واشنطن إلى إعادة فتح الممر أمام حركة السفن وإنهاء ما تعتبره حصاراً غير مقبول على التجارة والطاقة، بينما تتمسك طهران بأن أي ترتيبات مستقبلية للملاحة يجب أن تراعي مصالحها وسيادتها وأمنها.
وفي تطور لافت، قالت إيران خلال الأيام الماضية إنها توصلت مع عُمان إلى تفاهم بشأن خريطة مسار عبور السفن في المضيق، مع العمل على صياغة بيان مشترك يحدد تفاصيل الترتيب المقترح. ويعني ذلك أن طهران تحاول إيجاد مسار مستقل لإدارة حركة الملاحة بعيداً عن الشروط الأميركية المباشرة.
لكن هذا المسار اصطدم بتصعيد أميركي جديد، بعدما هدد ترامب عُمان بالعمل العسكري إذا تدخلت في ما تعتبره واشنطن ترتيبات مرتبطة بفتح المضيق، في خطوة تضيف الوسيط العُماني إلى دائرة الضغوط المباشرة.
الملاحة تدفع الثمن
وتظهر خطورة التصعيد بوضوح في حركة الملاحة نفسها. فقد أظهرت بيانات تتبع السفن أن حركة السفن التجارية عبر هرمز تراجعت بصورة حادة خلال عطلة نهاية الأسبوع، إذ عبرت خمس سفن سلع فقط يوم السبت، ولم تُسجل أي عبور مماثل يوم الأحد، مقارنة بـ31 سفينة في عطلة نهاية الأسبوع السابقة.
وهذا التراجع لا يحمل دلالة عسكرية فقط، بل ينعكس مباشرة على أسواق الطاقة والتجارة العالمية، خصوصاً أن المضيق يمثل أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز.
ومع ارتفاع المخاطر الأمنية وتراجع حركة السفن، ارتفعت أسعار النفط مجدداً، وسط مخاوف من أن يؤدي استمرار المواجهة أو تعرض ناقلات إضافية للهجمات إلى اضطراب أكبر في الإمدادات والأسواق.
ترامب يرفع سقف المواجهة
وتشير تصريحات ترامب الأخيرة إلى أن واشنطن لا تتعامل مع هرمز باعتباره مجرد ملف تفاوضي ثانوي.
فالرئيس الأميركي دعا إيران إلى الاستسلام، وأكد أن الولايات المتحدة تمارس ضغطاً عبر الحصار البحري، فيما سبق أن تحدث عن إمكانية التعامل مع المضيق باعتباره منطقة تخضع للسيطرة الأميركية.
وفي 14 آب/أغسطس، قال ترامب إن الولايات المتحدة قد تعلن مضيق هرمز «أرضاً أميركية»، في طرح يمثل تصعيداً كبيراً في طبيعة الصراع حول الممر المائي، ويطرح تساؤلات قانونية وسياسية واسعة بشأن طبيعة أي محاولة أميركية لفرض مثل هذه الرؤية.
وبذلك لم تعد واشنطن تطالب فقط بحرية الملاحة، وإنما يبدو أنها تسعى إلى تغيير قواعد القوة التي تحكم المضيق بعد انتهاء الحرب.
إيران بين كسر الحصار وتجنب الحرب
أما طهران فتواجه معادلة أكثر تعقيداً.
فاستمرار الحصار البحري يعني خسارة جزء مهم من قدرتها على استخدام هرمز كورقة ضغط، بينما قد يؤدي تنفيذ هجوم واسع على القوات أو السفن الأميركية إلى منح واشنطن مبرراً لتوسيع عملياتها العسكرية.
ولهذا جاءت التهديدات الإيرانية بصيغة مدروسة نسبياً؛ فطهران تتحدث عن هجوم «في الوقت المناسب وبدقة» إذا فشلت الدبلوماسية، بدلاً من الإعلان عن عملية عسكرية فورية.
وتكشف هذه اللغة عن محاولة للموازنة بين هدفين متناقضين: إبقاء التهديد العسكري قائماً من جهة، وعدم إغلاق الباب أمام المفاوضات من جهة أخرى.
عُمان تدخل قلب الأزمة
لطالما لعبت عُمان دوراً مهماً في الوساطة بين واشنطن وطهران، ولذلك فإن تحولها إلى طرف مستهدف بالتهديدات الأميركية يضيف بعداً جديداً للأزمة.
فالخلاف لم يعد محصوراً بين الولايات المتحدة وإيران، بل بدأ يمتد إلى الدول التي تحاول إدارة قنوات الاتصال أو إيجاد ترتيبات بديلة للملاحة.
وهنا تبرز مفارقة مهمة: في الوقت الذي تحتاج فيه الأزمة إلى وسطاء قادرين على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، يمكن أن يؤدي التصعيد ضد الوسطاء إلى تضييق المساحة المتاحة أمام الحل الدبلوماسي.
هل اقتربت الحرب الشاملة؟
رغم ارتفاع مستوى التهديدات، لا يمكن اعتبار اندلاع حرب شاملة نتيجة حتمية لانتهاء المهلة.
فالولايات المتحدة تواجه كلفة اقتصادية وسياسية لأي حرب طويلة، في وقت يتزايد فيه القلق من أسعار الوقود واضطراب الأسواق. وفي المقابل، تدرك إيران أن توسيع المواجهة إلى مستوى كبير قد يعرّض بنيتها العسكرية والاقتصادية لمزيد من الضربات والضغوط.
لكن الخطر الحقيقي يكمن في مكان آخر: خطأ الحسابات.
فالمواجهة البحرية تخلق احتمالات لحوادث يصعب احتواؤها، سواء عبر استهداف ناقلة، أو اعتراض سفينة، أو احتكاك بين قطع بحرية، أو ضربة تتسبب في سقوط عدد كبير من الضحايا.
وفي مثل هذه الحالات، قد لا يعود القرار بيد الدبلوماسيين وحدهم، وقد يتحول حادث محدود إلى سلسلة من الردود المتبادلة.
لعبة حافة الهاوية
تبدو واشنطن وطهران حالياً وكأنهما تخوضان لعبة حافة الهاوية؛ كل طرف يحاول دفع الآخر إلى تقديم التنازل الأول.
ترامب يريد انتزاع تنازلات أكبر من إيران في الملف النووي والملاحة، فيما تريد طهران إنهاء الحصار وإعادة فتح المضيق وفق شروط لا تظهر فيها كطرف مهزوم.
ولهذا فإن التصعيد الكلامي والعسكري قد يكون جزءاً من محاولة تحسين شروط التفاوض، وليس بالضرورة إعلاناً نهائياً عن قرار الحرب.
لكن هذه اللعبة تصبح أكثر خطورة كلما طال أمدها.
فحركة الملاحة عبر هرمز تتراجع، وأسعار الطاقة تتأثر، والتهديدات تتسع لتشمل دولاً وسيطة، بينما يلوّح الطرفان بإجراءات عسكرية جديدة. وفي هذه البيئة، يصبح الفاصل بين «التصعيد من أجل التفاوض» و«التصعيد الذي يقود إلى الحرب» أكثر ضيقاً.
الأيام المقبلة.. اختبار حقيقي للدبلوماسية
انتهاء مهلة الستين يوماً لا يعني انتهاء فرص التفاوض، لكنه يعني أن أي مفاوضات جديدة ستبدأ من موقع أكثر صعوبة.
وقد تحاول أطراف إقليمية، وفي مقدمتها عُمان، إعادة فتح قنوات الاتصال والوصول إلى صيغة تضمن مرور السفن وتخفيف الحصار، بينما ستواصل واشنطن الضغط العسكري والاقتصادي للحصول على تنازلات من طهران.
وفي المقابل، ستسعى إيران إلى إثبات أن استمرار إغلاق هرمز أو تعطيل الملاحة ليس أمراً يمكن تجاوزه بسهولة، وأن لديها القدرة على رفع كلفة استمرار الحرب.
وهكذا تحولت نهاية المهلة من موعد لاتفاق منتظر إلى اختبار جديد للإرادات.
فالولايات المتحدة لا تريد الخروج من المواجهة من دون مكاسب استراتيجية واضحة، وإيران لا تريد إنهاء الحرب وهي تظهر عاجزة عن حماية مصالحها في أهم ممر بحري قريب من سواحلها.
وبين الطرفين يقف مضيق هرمز، الذي لم يعد مجرد ممر للطاقة والتجارة، بل أصبح عنواناً لصراع أكبر على النفوذ وقواعد النظام الإقليمي.
قد لا تكون الحرب الشاملة قد بدأت، لكن المنطقة دخلت بالفعل مرحلة أكثر خطورة؛ مرحلة يمكن أن يؤدي فيها حادث واحد في البحر إلى تغيير مسار الأزمة بأكملها.