دخلت مناطق واسعة من ريف دير الزور حالة من الاستنفار الخدمي، مع ارتفاع منسوب مياه نهر الفرات وتوقف 11 محطة مياه عن العمل، فيما تواجه نحو 20 محطة أخرى خطر الخروج من الخدمة إذا استمر ارتفاع المنسوب ووصول المياه إلى مواقعها.
ودفع الوضع المستجد الجهات المعنية إلى وضع خطة طارئة لحماية محطات مياه الشرب، تتضمن إقامة سواتر ترابية وتدعيم محيط المحطات والطرق المؤدية إليها، في محاولة لمنع وصول المياه إلى المنشآت الحيوية والحفاظ على استمرار عملها.
محطات خارج الخدمة وأخرى تحت التهديد
ويشكل توقف 11 محطة مياه عن الخدمة تحدياً إضافياً أمام الأهالي في مناطق تعتمد بشكل أساسي على هذه المحطات لتأمين مياه الشرب، خصوصاً مع امتداد تأثير ارتفاع منسوب النهر إلى عدد من القرى والبلدات القريبة من مجراه.
وتعمل الفرق الفنية على تدعيم المواقع المهددة، بالتوازي مع مراقبة مستوى المياه واتجاهات ارتفاعها، فيما تتركز الجهود على حماية المحطات التي لا تزال تعمل ومنع وصول المياه إليها.
ومن بين الأعمال المنفذة تدعيم الطريق المؤدي إلى محطة مياه الخريطة، في محاولة للحفاظ على إمكانية الوصول إليها وتأمين استمرار الأعمال الفنية والخدمية في المنطقة.
السواتر الترابية.. حل إسعافي
وتعتمد الخطة الحالية بصورة أساسية على إنشاء سواتر ترابية حول المحطات والمواقع الأكثر عرضة للمياه، إلى جانب تدعيم الطرق التي يمكن أن تتأثر بارتفاع المنسوب.
وتبقى هذه الإجراءات ذات طابع إسعافي، إذ إن استمرار ارتفاع منسوب الفرات قد يفرض الحاجة إلى توسيع نطاق التدخلات، خصوصاً إذا اقتربت المياه من منشآت خدمية أخرى أو قطعت الطرق المؤدية إليها.
وفي دير الزور، لا ترتبط مشكلة ارتفاع النهر بالمحطات وحدها، إذ يعيش عدد من الأهالي والقرى على مقربة من مجرى الفرات، ما يجعل أي ارتفاع غير اعتيادي في المنسوب مصدر قلق بالنسبة إلى السكان والأراضي الزراعية ومعدات الري.
الأهالي أمام تحذيرات جديدة
وتزامن ارتفاع منسوب الفرات مع تمرير كميات من المياه من سدود الفرات، الأمر الذي دفع وزارة الطاقة إلى تحذير الأهالي من الاقتراب من مجرى النهر، إضافة إلى مطالبتهم بسحب معدات الري الموجودة بالقرب من المياه.
وتكتسب التحذيرات أهمية خاصة بالنسبة إلى المزارعين، الذين يعتمدون على المضخات ومعدات السحب لري الأراضي الزراعية، إذ يمكن لارتفاع المياه أو تغير سرعة التيار أن يجعل الاقتراب من ضفاف النهر أكثر خطورة.
كما أن ترك المعدات بالقرب من المجرى قد يعرضها للتلف أو الجرف، ما يضيف خسائر جديدة إلى المزارعين في حال استمرار ارتفاع المنسوب.
مياه الشرب في مواجهة ارتفاع النهر
ويعيد توقف عدد من المحطات عن الخدمة طرح مشكلة قديمة في دير الزور تتعلق بمدى جاهزية البنية التحتية لمواجهة الظروف الطارئة.
فمحطات المياه ليست منشآت يمكن تعويض توقفها بسهولة، خصوصاً في المناطق الريفية التي تعتمد على عدد محدود من المحطات، وأي خروج إضافي لها من الخدمة قد ينعكس مباشرة على كميات مياه الشرب التي تصل إلى الأهالي.
ولهذا، فإن حماية المحطات المهددة لا ينبغي أن تقتصر على إقامة السواتر الترابية، بل تتطلب أيضاً تأمين مصادر بديلة لمياه الشرب في المناطق التي قد تتأثر، وتجهيز خطط لتأمين المياه بالصهاريج عند الضرورة، وضمان سرعة إعادة تشغيل المحطات المتوقفة عندما تسمح الظروف.
بين ارتفاع المنسوب وحاجة الأهالي إلى الطمأنة
ويفرض الوضع الحالي على الجهات الخدمية متابعة مستويات المياه بصورة مستمرة وإطلاع السكان على أي تطورات قد تؤثر في مناطقهم، خصوصاً أن القرى والبلدات القريبة من الفرات تحتاج إلى معلومات واضحة حول مستوى الخطر والإجراءات المطلوبة منها.
كما أن التنسيق بين الجهات المسؤولة عن السدود والمياه والطاقة والبلديات ومحطات مياه الشرب يصبح أكثر أهمية خلال هذه الظروف، لتجنب أي فجوة في المعلومات أو تأخر في الاستجابة.
وفي المقابل، يبقى الأهالي أمام مسؤولية الالتزام بالتحذيرات وعدم الاقتراب من مجرى النهر، وسحب المضخات والمعدات الزراعية من المناطق المهددة، وعدم التعامل مع ارتفاع المياه باعتباره مجرد تغير موسمي عابر.
دير الزور أمام اختبار خدمي
لا تبدو أزمة محطات المياه في دير الزور مجرد حادث خدمي محدود، فاستمرار ارتفاع منسوب الفرات يمكن أن يوسع دائرة التأثير لتشمل الطرق والمنشآت الزراعية ومصادر مياه الشرب وممتلكات السكان القريبة من النهر.
ومع خروج 11 محطة عن الخدمة ووجود نحو 20 محطة أخرى ضمن دائرة التهديد، تصبح الأولوية بالنسبة إلى الأهالي هي ضمان استمرار مياه الشرب، وحماية المنشآت الأساسية، وتوفير بدائل سريعة في حال اتسع نطاق الضرر.
ويبقى نجاح الخطة الطارئة مرتبطاً بقدرة الفرق الفنية على حماية المحطات والطرق، وباستمرار مراقبة منسوب النهر، ووضوح التحذيرات الموجهة للسكان، إلى جانب وجود استعداد فعلي للتعامل مع أي ارتفاع إضافي.
فالفرات بالنسبة إلى أبناء دير الزور مصدر حياة ومياه وزراعة، لكن ارتفاع منسوبه بصورة مفاجئة يحول هذا المورد الحيوي إلى تحدٍ خدمي وميداني يحتاج إلى استجابة سريعة، خصوصاً عندما تكون مياه الشرب نفسها في دائرة الخطر.