مليارات التعهدات السورية.. أين ذهبت أموال حملات التبرع؟
من «أربعاء حمص» إلى «حلب ست الكل».. أرقام ضخمة أُعلنت خلال أشهر، لكن الأموال المحصّلة والمشاريع المنفذة تكشف فجوة واسعة بين ما قيل وما وصل فعلياً إلى الأرض
قبل نحو عام، تحولت المحافظات السورية إلى ورش واسعة لجمع التبرعات تحت عناوين إعادة الإعمار وتحسين الخدمات وتأهيل المدارس والمشافي وشبكات المياه والطرق، وسط حملات إعلامية واسعة شارك فيها رجال أعمال ومغتربون وفعاليات أهلية ومؤسسات رسمية.
وخلال أشهر قليلة، أُعلنت أرقام ضخمة تجاوز مجموعها، وفق رصد لعدد من الحملات، حاجز المليار دولار. وظهرت أرقام بلغت نحو 426 مليون دولار في حملة «حلب ست الكل»، وأكثر من 210 ملايين في «فداء لحماة»، ونحو 208 ملايين في «الوفاء لإدلب»، و76 مليوناً في «ريفنا بيستاهل»، و44.3 مليون دولار في «أبشري حوران»، ونحو 28 مليوناً في «دير العز»، إضافة إلى حملات أخرى في حمص والسويداء ومناطق مختلفة.
لكن بعد مرور عام تقريباً على انطلاق أولى هذه الحملات، لم يعد السؤال يتعلق بحجم الأرقام التي ظهرت على شاشات البث المباشر، بل بالسؤال الأهم: كم من هذه الأموال دخل فعلياً إلى حسابات الحملات؟ وكم منها صُرف؟ وما المشاريع التي أنجزت فعلاً؟
التعهد ليس بالضرورة مالاً في الصندوق
تكشف البيانات اللاحقة التي صدرت عن بعض الحملات أن الرقم المعلن ليلة التبرع لا يعني بالضرورة أن المبلغ أصبح متاحاً للإنفاق.
في حملة «الوفاء لإدلب» مثلاً، أُعلن في ليلة إطلاقها عن تعهدات بلغت 208 ملايين دولار، ثم ارتفع الرقم لاحقاً إلى نحو 210 ملايين. لكن إدارة الحملة أوضحت في أيلول 2026 أن التعهدات النقدية المباشرة بلغت نحو 29 مليون دولار، جرى تحصيل قرابة 70 بالمئة منها، بينما تضمنت بقية التعهدات مساهمات عينية وتعهدات بتنفيذ مشاريع منظمات وجهات داعمة.
وفي «دير العز»، التي أعلنت أرقاماً وصلت إلى نحو 28 مليون دولار، كشف أحد المشرفين على الحملة في آذار 2026 أن ما تم استلامه فعلياً بلغ 4.5 ملايين دولار، في حين أن جزءاً كبيراً من الرقم المعلن كان عبارة عن تعهدات، بينها تعهدات من منظمات لم تنفذ جميعها بعد.
وهنا تظهر واحدة من أهم مشكلات تجربة التبرعات السورية: الخلط بين التبرع المدفوع والتعهد بالتبرع، وبين المال النقدي والتبرع العيني وتعهد تنفيذ مشروع كامل.
أين وصلت الأموال؟
في بعض المحافظات، بدأت الأموال تتحول بالفعل إلى مشاريع؛ في درعا، على سبيل المثال، أعلنت المحافظة في كانون الثاني 2026 تنفيذ مشاريع بقيمة تجاوزت 7.8 ملايين دولار من أموال حملة «أبشري حوران»، شملت ترميم 205 مدارس وبناء أربع مدارس جديدة وتصنيع آلاف المقاعد، إلى جانب مشاريع صحية ومائية. لكن المحافظة كشفت في الوقت نفسه أن بعض مشاريع المنظمات الدولية لم يبدأ تنفيذ أكثر من نصفها، ما يعكس وجود فجوة بين التعهد والتنفيذ.
وفي حمص، بدأت مشاريع مرتبطة بحملة «أربعاء حمص»، بينها أعمال في حي بابا عمرو وحفر بئر مياه ومساعدات لأسر الشهداء، بعدما كانت الحملة قد أعلنت جمع أكثر من 13 مليون دولار.
أما في إدلب، فتقول إدارة حملة «الوفاء لإدلب» إن العمل شمل نحو 500 مدرسة، مع ترميم نحو 100 مدرسة في مرحلة لاحقة، إلى جانب مشاريع صحية ومائية واتفاقيات مع منظمات لتنفيذ مشاريع على مراحل تمتد بعضها إلى سنتين أو ثلاث سنوات. وتقول الإدارة إن الحملة لا تغطي سوى نحو 10 بالمئة من الاحتياج المقدر للمحافظة، والذي يصل إلى مليارات الدولارات.
حلب.. الرقم الأكبر والأسئلة الأكبر
ربما تمثل حملة «حلب ست الكل» النموذج الأكثر وضوحاً للفجوة بين الرقم المعلن والواقع المالي.
فالحملة أعلنت في كانون الأول 2025 جمع أكثر من 426 مليون دولار خلال ثلاثة أيام، لكن البيانات اللاحقة فرّقت بين التعهدات والمبالغ المقبولة والمبالغ التي تم تسليمها فعلياً.
ووفق بيانات منشورة في أيار 2026، بلغت التعهدات نحو 427 مليون دولار، فيما تجاوزت المبالغ المقبولة 287 مليوناً، مع بقاء مبالغ أخرى قيد التقييم. كما أظهرت البيانات أن جزءاً من التبرعات النقدية لم يكن قد سُلّم بالكامل، بينما كانت هناك مشاريع متعهد بتنفيذها وأخرى قيد التنفيذ وأخرى مجدولة لاحقاً.
وهذا يعني أن الإعلان عن مئات الملايين لا يمكن قراءته ببساطة على أنه رصيد مالي جاهز للصرف.
هل لم يدفع المتبرعون؟
المعطيات المتاحة حتى الآن تشير إلى أن عدم الالتزام بالتعهدات يمثل أحد الأسباب الرئيسية للفجوة، وليس هناك في المصادر التي راجعناها ما يثبت بصورة عامة أن الأموال التي جرى تحصيلها في مختلف الحملات اختفت أو صُرفت لأغراض أخرى.
بل إن بعض القائمين على الحملات تحدثوا صراحة عن تعهدات لم تُسدَّد، فيما أعلنت جهات أخرى نسب التحصيل الفعلي مقارنة بالتعهدات.
حتى صندوق التنمية السوري نفسه اضطر في شباط 2026 إلى توضيح أن حملات المحافظات مستقلة عنه ولا تدخل ضمن موارده، وأن جزءاً من الأرقام التي جرى تداولها كان عبارة عن تعهدات لم تُحوّل فعلياً إلى الحسابات، وهو ما أدى إلى التباس في تقدير حجم الأموال المتاحة.
وبالتالي فإن وضع كل الأرقام المعلنة في خانة “الأموال المهدورة” سيكون استنتاجاً لا تدعمه البيانات المتوفرة حتى الآن.
لكن السؤال الآخر يبقى قائماً
إذا كانت نسبة كبيرة من الأرقام مجرد تعهدات، فإن السؤال لا ينتهي عند المتبرعين؛ من المسؤول عن متابعة التعهدات؟ وهل توجد عقود أو التزامات قانونية واضحة بين الحملات والمتبرعين؟ وهل نشرت كل حملة سجلاً دورياً يوضح قيمة التعهدات، وما تم تحصيله منها، وما تم إنفاقه، والمشاريع التي أنجزت، والمشاريع المتوقفة، والأموال المتبقية؟
هذه الأسئلة تصبح أكثر أهمية عندما تكون الحملات قد جمعت أرقاماً تعادل مئات ملايين الدولارات، وهي أموال مرتبطة بثقة السوريين وباحتياجات مناطق تعاني أصلاً من تدهور كبير في الخدمات والبنية التحتية.
من يراقب الصرف؟
تفاوت مستوى الشفافية بين حملة وأخرى يضيف طبقة جديدة إلى الملف. فبعض الحملات أعلنت لجاناً ومجالس أمناء ونشرت أرقاماً عن المشاريع، بينما بقيت معلومات بعض الحملات محدودة أو متقطعة، وهو ما دفع وسائل إعلام محلية إلى طرح أسئلة حول آليات الإدارة والرقابة ومصير التعهدات.
وفي المقابل، تشير نماذج مثل درعا وإدلب إلى أن جزءاً من الأموال أو التعهدات تحول بالفعل إلى مشاريع على الأرض، وأن بعض المشاريع يحتاج إلى سنوات وليس أسابيع حتى يكتمل.
لذلك، فإن غياب مشروع ضخم بعد عام لا يعني بالضرورة أن أموال الحملة أُنفقت في مكان آخر، كما أن الإعلان عن تنفيذ مشروع لا يكفي وحده لإثبات أن جميع الأموال المعلنة قد حُصّلت وأنفقت ضمن الهدف المحدد.
من التبرع إلى المحاسبة
بعد مرور عام تقريباً على انطلاق هذه التجربة، يبدو أن المشكلة الأساسية ليست فقط في حجم الأموال، وإنما في طريقة عرض الأرقام وإدارة التوقعات العامة.
المتبرع الذي يسمع رقماً بمئات الملايين قد يعتقد أن الأموال أصبحت في الصندوق وأن المشاريع ستبدأ فوراً، بينما قد يكون الرقم في الحقيقة مزيجاً من تعهدات نقدية، وتبرعات عينية، ومشاريع ستنفذها منظمات، ومبالغ ستدفع على مراحل.
ومن هنا، تبدو الحاجة ملحّة إلى كشف مالي موحد لكل حملة، يوضح أربعة أرقام منفصلة: إجمالي التعهدات، الأموال المحصّلة فعلياً، الأموال المصروفة، وقيمة المشاريع المنجزة على الأرض.
فقط عند وضع هذه الأرقام جنباً إلى جنب يمكن للسوريين معرفة حقيقة ما جرى: هل المشكلة في متبرعين لم يلتزموا بتعهداتهم؟ أم في بطء الإدارة والتنفيذ؟ أم في ضعف الرقابة؟ أم أن حجم الاحتياجات كان أكبر بكثير من الأموال التي جرى تحصيلها؟
أما ترك الأرقام بين التعهد والتحصيل والتنفيذ، فيبقي السؤال مفتوحاً، ويحوّل حملات بدأت بوصفها مبادرات لإعادة بناء الثقة إلى ملف جديد يحتاج هو الآخر إلى شفافية ومساءلة ومحاسبة أمام الناس.