لم تعد السويداء مجرد ملف داخلي معقد أمام السلطة السورية الجديدة، بل تحولت إلى إحدى أكثر ساحات الاختبار حساسية لمستقبل الدولة السورية وقدرتها على استعادة سلطتها، في ظل تداخل الانقسامات المحلية مع الحسابات الإسرائيلية والمخاوف الأمنية في الجنوب. وبينما تسعى دمشق إلى تثبيت حضورها في مختلف المناطق السورية، تجد نفسها أمام معادلة لا يمكن حلها بالقوة وحدها، ولا تركها مفتوحة أمام التدخلات الخارجية: كيف تستعيد ثقة أبناء المحافظة، وتحافظ على وحدة البلاد، من دون منح إسرائيل فرصة توسيع نفوذها تحت عنوان حماية الدروز؟
يمكن قراءة التحركات الإسرائيلية في الجنوب السوري باعتبارها جزءاً من مقاربة أوسع تسعى إلى ضمان التفوق الأمني الإسرائيلي، ومنع تشكل واقع عسكري لا يخضع لحسابات تل أبيب قرب حدودها. لكن هذه المقاربة لا تنفصل عن واقع سوري داخلي هش، ما يجعل الأزمات المحلية مدخلاً محتملاً للضغط السياسي والعسكري على دمشق، ويمنح إسرائيل مساحة للمناورة كلما تعثرت الدولة في معالجة خلافاتها الداخلية.
الشطرنج الإسرائيلي.. اللعب على نقاط الضعف
في لعبة الشطرنج، لا يحتاج اللاعب إلى السيطرة على جميع المربعات كي يفرض إيقاعه؛ يكفي أحياناً أن يستثمر أخطاء خصمه، ويستفيد من الثغرات في دفاعاته، ويمنعه من التحرك بحرية. ومن هذا المنطلق، يمكن استخدام مفهوم «استراتيجية الشطرنج» لوصف كيفية استفادة إسرائيل من تعقيدات المشهد السوري، من دون التعامل معه باعتباره اسماً معلناً لخطة إسرائيلية موثقة.
فالسويداء تمتلك خصوصية اجتماعية وسياسية لا يمكن تجاهلها، وقد عمقت أحداث العنف التي شهدتها المحافظة في تموز/يوليو 2025 فجوة الثقة بين قطاعات من المجتمع المحلي والسلطة الانتقالية. وأسهمت الاتهامات المتعلقة بالانتهاكات، والخلافات حول إدارة الأمن، وتباين المواقف بشأن مستقبل المحافظة، في تعزيز مخاوف محلية من عودة المواجهات، بالتزامن مع صعود مطالب بالحكم الذاتي لدى بعض القوى والقيادات.
في هذا السياق، وجدت إسرائيل مساحة لتقديم نفسها طرفاً معنياً بحماية الدروز، بينما ترتبط تحركاتها أيضاً بحسابات أمنية تتعلق بالجنوب السوري ومنع ترسيخ وجود حكومي وعسكري لا ترغب فيه قرب المناطق التي تسيطر عليها. ولا يعني ذلك أن المواقف داخل المجتمع الدرزي موحدة، أو أن جميع أبنائه يتبنون التوجهات نفسها؛ فهناك اختلافات واضحة بين من يتمسك بوحدة سوريا ويطالب بضمانات سياسية وأمنية، ومن يرى في الابتعاد عن دمشق وسيلة للحماية.
تكمن خطورة هذا الواقع في أن استمرار الانقسام قد يحول السويداء من محافظة تحتاج إلى تسوية وطنية عادلة إلى ورقة ضغط إقليمية، تتجاوز مصالح سكانها واحتياجاتهم اليومية.
دمشق أمام معادلة أصعب من استعادة السيطرة
لا تستطيع الحكومة السورية التعامل مع السويداء باعتبارها مسألة أمنية منفصلة عن السياسة والمجتمع. فاستعادة سلطة الدولة لا تتحقق بمجرد انتشار القوات أو إصدار القرارات، وإنما تحتاج إلى شرعية محلية تقوم على الثقة، والمحاسبة، وضمان الحقوق، ووجود مؤسسات قادرة على حماية المواطنين من دون تمييز.
لقد أظهرت الأزمة أن اللجوء إلى الحلول الأمنية، في غياب توافق سياسي واضح وضمانات جدية للمحاسبة، قد يؤدي إلى نتائج عكسية، ويمنح القوى الرافضة للتفاهم مع دمشق مبررات إضافية لتشديد مواقفها. كما أن تجاهل مخاوف السكان أو التعامل معها باعتبارها مجرد امتداد لتدخلات خارجية لن يؤدي إلا إلى توسيع الفجوة بين الدولة والمجتمع المحلي.
وفي المقابل، فإن ترك المحافظة أمام سلطات أمنية متنافسة وتشكيلات مسلحة متباينة الولاءات يهدد مبدأ سيادة القانون، ويجعل أي تسوية مستقبلية عرضة للانهيار عند أول اختبار. المطلوب، إذاً، ليس فرض معادلة انتصار طرف على آخر، بل بناء صيغة تضمن مشاركة أبناء السويداء في إدارة شؤونهم المحلية ضمن إطار الدولة السورية، مع توحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية وفق ترتيبات واضحة ومتفق عليها.
وهنا تواجه دمشق اختباراً مزدوجاً: إثبات قدرتها على حماية مواطنيها، وإقناعهم بأن الدولة الجديدة ليست امتداداً لممارسات الإقصاء أو الانتقام التي عرفتها البلاد، وأن الانتماء الوطني لا يتعارض مع الخصوصية المحلية أو المطالبة بالحقوق.
وحدة سوريا لا تُحمى بالشعارات
تراهن إسرائيل، وفق قراءات تحليلية لسياساتها في الجنوب، على اعتبارات أمنية تتعلق بإقامة منطقة عازلة ومنع تشكل تهديدات قرب حدودها، فيما يبقى استثمار الانقسامات السورية عاملاً قد يساعدها على توسيع هامش حركتها. لكن مستقبل هذا المسار لا تحدده الرغبات الإسرائيلية وحدها؛ إذ يتأثر أيضاً بمواقف القوى المحلية، وبقدرة دمشق على معالجة أسباب التوتر، وبمواقف الأطراف الإقليمية والدولية الداعمة لاستقرار سوريا ووحدة أراضيها.
ومن الخطأ افتراض أن كل مطالبة محلية باللامركزية أو ضمان الحقوق تمثل مشروعاً خارجياً، كما أنه من الخطأ تجاهل احتمال استغلال بعض المطالب والمخاوف لتحقيق أهداف تتجاوز أصحابها. فالفارق كبير بين مطالب سياسية تنبع من تجربة محلية تبحث عن الأمان والمشاركة، وبين تحويل تلك المطالب إلى أداة لتكريس الانفصال أو فتح المجال أمام تدخل خارجي دائم.
لذلك، فإن مواجهة النفوذ الإسرائيلي لا تبدأ بالتصعيد الإعلامي أو بتبادل الاتهامات، بل بتجفيف البيئة التي تسمح بتوسعه. ويتطلب ذلك تحقيقاً جدياً في الانتهاكات، ومحاسبة المسؤولين عنها، وتسهيل عودة النازحين، وضمان وصول المساعدات، وفتح حوار مباشر مع مختلف القوى الاجتماعية والسياسية في المحافظة. كما يحتاج إلى خطاب رسمي يطمئن السكان بدلاً من دفعهم إلى الشعور بأن خياراتهم محصورة بين سلطة لا يثقون بها وتدخل خارجي يقدم نفسه حامياً لهم.
ولا يقل أهمية عن ذلك تحرك دبلوماسي سوري يضع الانتهاكات الإسرائيلية للسيادة السورية أمام المجتمع الدولي، ويطالب بوقفها، مع تجنب تحويل المحافظة إلى ساحة مواجهة عسكرية جديدة يدفع سكانها ثمنها.
هل تستطيع دمشق تغيير قواعد اللعبة؟
لا تملك دمشق ضمانة بأن معالجة الأزمة ستنهي التدخل الإسرائيلي، فالحسابات الأمنية الإسرائيلية في الجنوب أوسع من ملف السويداء وحده. لكن الحكومة السورية تستطيع تقليص قدرة إسرائيل على استثمار الأزمة إذا نجحت في تحويل المحافظة من مساحة متنازع عليها إلى جزء مستقر من الدولة، يشعر سكانه بأن حقوقهم وأمنهم مصونان ضمن مؤسسات وطنية جامعة.
إن الرهان على الحسم العسكري وحده قد يحقق مكاسب مؤقتة، لكنه لن يؤسس لاستقرار طويل الأمد إذا بقيت أسباب الانقسام قائمة. وبالمثل، فإن الاكتفاء بالاتفاقات السياسية من دون تنفيذها على الأرض سيترك المجال مفتوحاً أمام عودة التوتر، ويمنح الأطراف الخارجية فرصاً جديدة للتدخل.
في النهاية، لا تتوقف قدرة دمشق على إفشال ما يمكن وصفه بـ«استراتيجية الشطرنج» الإسرائيلية على عدد القوات التي تستطيع نشرها، بل على قدرتها على منع تحويل الخلافات المحلية إلى حدود سياسية وأمنية دائمة داخل البلاد. فالدولة القوية ليست تلك التي تفرض حضورها بالقوة فحسب، وإنما التي تجعل مواطنيها يرون فيها ضمانتهم الأولى للأمن والحقوق.
قد تستطيع إسرائيل استثمار الفراغ لبعض الوقت، لكن إنهاء هذا الفراغ مسؤولية سورية قبل أن يكون معركة مع إسرائيل.