كيف تستفيد روسيا والصين من انخراط واشنطن في صراعات الشرق الأوسط؟
يشكّل انخراط الولايات المتحدة في صراعات الشرق الأوسط فرصة استراتيجية لكل من روسيا والصين، إذ ترى القوتان في هذه الأزمات وسيلة لإضعاف النفوذ الأميركي واستنزاف قدراته العسكرية والسياسية على المدى الطويل. فكلما تعمّق تورط واشنطن في نزاعات معقدة، تراجعت قدرتها على التركيز على منافسيها الكبار في الساحة الدولية.
وتشير تحليلات نُشرت في مجلة فورين أفيرز إلى أن موسكو وبكين تمتلكان طيفًا واسعًا من الأدوات—الدبلوماسية والعسكرية والاستخباراتية—لاستثمار مثل هذه الأزمات. ويبدو أنهما تحققان بالفعل مكاسب ملموسة عبر مراقبة الأداء العسكري الأميركي، وجمع المعلومات حول أنظمة التسليح، والاستفادة من نقاط الضعف التي تظهر خلال العمليات.
ويُعدّ المشهد الأوكراني مثالًا واضحًا على هذا النوع من الاستنزاف؛ إذ أسهم الدعم الأميركي المستمر لكييف في إشغال روسيا وإثقال كلفتها العسكرية. بالمقابل، تأمل موسكو وبكين أن يؤدي انخراط الولايات المتحدة في نزاعات أخرى إلى نتيجة مشابهة، لكن هذه المرة على حساب واشنطن نفسها.
ومن هذا المنطلق، تعتقد الدولتان أن انغماس الولايات المتحدة في حروب طويلة يحدّ من قدرتها على فرض ضغوط في مناطق أخرى، ويمنحهما مساحة أوسع لتعزيز نفوذهما. وقد لخّص وزير الخارجية الهندي إس. جايشانكار هذه الفكرة بقوله إن الصين “تنتصر دون أن تقاتل”، بينما تخوض الولايات المتحدة حروبًا دون حسم واضح.
على الصعيد العملي، تستفيد روسيا من أي توتر يضعف تماسك التحالفات الغربية، خصوصًا مع ظهور تباينات بين الولايات المتحدة وبعض حلفائها الأوروبيين بشأن إدارة الأزمات. كما يعزز التعاون العسكري مع شركاء إقليميين فرص موسكو في تطوير تقنياتها واختبارها في ظروف حقيقية.
أما الصين، فتميل إلى جني مكاسب سياسية ودبلوماسية أكبر، إذ تحرص على تقديم نفسها كقوة مسؤولة تدعو إلى التهدئة والحلول التفاوضية. وفي الوقت ذاته، تعمل على توسيع علاقاتها مع دول المنطقة، مستفيدة من تراجع الثقة في السياسات الأميركية، ومروّجة لنفسها كشريك أكثر استقرارًا.
وعلى مستوى أوسع، قد يؤدي استمرار هذه الصراعات إلى إضعاف فكرة النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، وهو ما يمنح كلًا من بكين وموسكو فرصة لإعادة تشكيل التوازنات العالمية بما يخدم مصالحهما.
في المقابل، يبقى أمام واشنطن خيار الحد من هذه التداعيات عبر تبني نهج أكثر واقعية، يركّز على احتواء الأزمات بدلًا من الانخراط في مواجهات مفتوحة. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في تحقيق انتصارات عسكرية مباشرة، بل في إدارة الصراعات بطريقة تمنع الخصوم من تحقيق مكاسب استراتيجية طويلة الأمد.