لكل السوريين

اللاذقية بين العتمة والعزلة الرقمية.. حين يتحوّل النحاس إلى لعنة

اللاذقية/ يوسف علي

تعيش محافظة اللاذقية منذ أسابيع على وقع أزمة خانقة في خدمات الكهرباء والاتصالات والمياه، بعد أن تحوّلت سرقة الأكبال إلى ظاهرة يومية تضرب البنية التحتية وتغرق المدينة في الظلام والعزلة الرقمية.

ورغم الوعود الرسمية بـ “تشديد الرقابة” و”الحد من الظاهرة”، إلا أن الواقع يكشف عجزاً شبه تام في السيطرة على السرقات التي باتت تهدد الاستقرار الخدمي والمعيشي في المحافظة.

يفيد مراسل “السوري” بأن أحياء المدينة وريفها، تشهد موجات متلاحقة من السرقات تستهدف الأكبال الكهربائية وأكبال الاتصالات، ما تسبب بانقطاع متكرر للتيار الكهربائي وتعطل الإنترنت والاتصالات عن مناطق واسعة، إضافة إلى توقف مضخات المياه في القرى والأحياء المرتفعة.

يقول أحد الفنيين في شركة الكهرباء: “نُصلح الخط في الصباح، فيُسرق مجدداً في اليوم التالي… وكأننا ندور في حلقة لا تنتهي”.

وأكد مراسلنا، بأن المصادر المحلية قدّرت الخسائر اليومية الناجمة عن هذه السرقات بملايين الليرات، مشيراً إلى أن الإصلاحات المتكررة تستهلك مواد وموارد بشرية ولوجستية كبيرة، فيما تبقى النتائج مؤقتة لا تصمد سوى ساعات أو أيام.

ويرى مختصون في الشأن الاجتماعي أن الضائقة المعيشية وانتشار البطالة، من أبرز أسباب تفاقم الظاهرة، إذ تُباع الأكبال النحاسية المسروقة بأسعار مرتفعة في سوق الخردة، ما يجعلها هدفاً مغرياً للسرقة.

ويقول أحد عناصر الضابطة العدلية في شركة الكهرباء – فضّل عدم ذكر اسمه –: “إن معظم السرقات تتم ليلاً في مناطق زراعية أو أحياء بعيدة عن مركز المدينة، حيث يسهل قطع الكابلات وسحبها دون مراقبة، وبيعها لتجار الخردة خلال ساعات قليلة”.

ويشير إلى وجود تواطؤ غير مباشر من بعض تجار المعادن الذين يشترون النحاس دون التأكد من مصدره، ما يشجع على استمرار الجريمة وتكرارها.

تُخلّف هذه السرقات خسائر مادية تقدّر بمئات الملايين من الليرات سنوياً، نتيجة الحاجة المستمرة لاستبدال الخطوط المسروقة وتركيب أخرى جديدة.

وتتسبب بعض العمليات أيضاً بإصابات قاتلة بين السارقين نتيجة الصعق الكهربائي أثناء محاولاتهم قطع الأسلاك الحية.

بدورها، لجأت مديرية الكهرباء؛ لمواجهة الظاهرة، إلى استبدال الأكبال النحاسية بأخرى من الألمنيوم الأقل قيمة في السوق السوداء، كما عززت المراقبة الليلية في المناطق التي تتكرر فيها السرقات.

فيما أطلقت مديرية الاتصالات بالتعاون مع المجتمع المحلي، مبادرات للإبلاغ عن أي تحركات مشبوهة قرب الشبكات، بينما تعمل البلديات على تركيب إنارة بالطاقة الشمسية في بعض النقاط الحساسة.

ورغم هذه الجهود، يرى المراقبون أن الخطوات الرسمية ما تزال جزئية، وأن الحل يتطلب معالجة شاملة تشمل الجوانب الأمنية والاقتصادية والاجتماعية.

تقول سمر، من سكان حي المشروع الثاني في اللاذقية: “انقطعت الكهرباء ثلاثة أيام متواصلة لأنهم سرقوا الكابل الأرضي، ورغم حضور ورشات الصيانة، عاد التيار لساعات فقط قبل أن تُسرق الأسلاك مجدداً”.

أما علاء شعبان، صاحب ورشة حدادة في ريف جبلة، فيروي معاناته: “الناس توقفت أعمالها، كل مرة تنقطع الكهرباء بسبب السرقات، ونضطر لدفع مبالغ طائلة للاشتراك بالأمبيرات أو تركيب ألواح طاقة شمسية، نحن ننتظر الإصلاح أكثر مما نعمل”.

هذه الشهادات تلخّص حجم المعاناة اليومية التي يعيشها المواطنون بين انقطاع الخدمات وتكرار الأعطال التي لا تنتهي.

ما بين النحاس الذي يغري والفقر الذي يدفع للسرقة، تبقى النتيجة واحدة: مدينة تغرق في الظلام والعزلة الرقمية، وبنية تحتية تُستنزف يوماً بعد يوم، بينما ينتظر الأهالي بصيص ضوء يعيد إليهم ما سُلب من حياةٍ وخدمات.

 

- Advertisement -

- Advertisement -