لكل السوريين

حمص.. المخدرات بين الواقع اليومي للشباب وخطر الانحدار الاجتماعي

حمص/ بسام الحمد

يبدو أن أزمة المخدرات لم تغب عن الحياة اليومية في حمص وسط سوريا، فقد أصبحت جزءاً من المشهد الاجتماعي بين الشباب، لا كخيار للمتعة أو الفضول، بل كمهرب مؤقت من واقع قاسٍ يفرضه الفقر والبطالة والضغوط النفسية المتراكمة على مدى سنوات الحرب. في الأحياء الشعبية مثل باب تدمر والقصور، يمكن رؤية عشرات المراهقين والشبان يجلسون قرب المقاهي الصغيرة أو الأرصفة، بعضهم يدخن الحشيش، وآخرون يتداولون حبوب الكبتاغون، في مشهد يعكس هشاشة الرقابة وقلة الوعي بخطورة الأمر.

في حي البياضة، يروي رائد، 23 عاماً، قصته التي بدأت حين فقد عمله في مصنع صغير بعد أن تقلصت الأجور وتوقفت كثير من المشروعات عن العمل. يقول: “في البداية جربت الحشيش لأهدأ بعد يوم طويل من البحث عن عمل، لكن سرعان ما أصبحت الحبوب جزءاً من حياتي اليومية، تساعدني على الصمود، أنسى التعب والقلق، حتى لو كان ذلك مؤقتاً”. يضيف رائد أن الضغط النفسي الكبير من فقدان الأمل يجعل الشباب أكثر عرضة للتجربة، وغالباً بدون معرفة حقيقية بعواقب الإدمان.

أما سلمى، طالبة جامعية في العشرينيات، فتروي تجربة صديقتها المقربة، التي لجأت للكبتاغون بسبب الوحدة والخوف من المستقبل: “رأت أن الحبوب تمنحها لحظات سكينة، حتى لو كانت قصيرة، لأنها تشعرها أنها تسيطر على شيء في حياتها، ولو كان وهمياً”. تتابع سلمى: “الحرب تركت جروحاً نفسية في كل بيت، والشباب يحاولون علاج أنفسهم بطريقة خاطئة، وغالباً بدون أي دعم نفسي أو استشارة”.

في سوق المدينة القديم، لاحظنا مشاهد متكررة لعربات صغيرة يبيع فيها بعض الباعة الحشيش أو حبوباً مجهولة المصدر، والزبائن يتناقلونها بحرية، على مرأى من الأطفال والأهالي. بعض هؤلاء الباعة، مثل كريم، 29 عاماً، يعمل في بيع المواد المخدرة بعد فقدان عمله كميكانيكي سيارات. يقول: “ليس لدي خيار آخر، والمواد متوفرة، والأسعار مستقرة، وأحياناً أحاول أن أشرح للزبائن المخاطر، لكن الحاجة أكبر من كل شيء”.

المعالجة النفسية تعتبر المخدرات انعكاساً للوضع الصحي العام في المجتمع. تقول المعالجة النفسية منى حاتم: “الشباب يعانون من الاكتئاب المزمن والقلق المستمر، والمخدرات تصبح وسيلة للتعامل مع الألم النفسي، طريقة للهروب من الواقع الصعب، أو لإسكات الأفكار المقلقة ولو مؤقتاً”. وتضيف أن التعرض المستمر للصدمات النفسية من دون دعم أو متابعة يزيد من احتمالات الإدمان، وأن الكثيرين يرون في المواد المخدرة مهرباً من الفراغ واليأس.

يوسف، 35 عاماً، كان رساماً قبل الحرب، أصبح عاطلاً بعد توقف معظم الأنشطة الاقتصادية، يروي: “الحبوب تعطي شعوراً مؤقتاً بالسيطرة، والحشيش يعيد لي بعض الأحاسيس الجميلة التي فقدتها، كأنني أعيش ذكريات قديمة، أو أخلق خيالات أهرب بها من الواقع”. ويشير يوسف إلى أن المجتمع غالباً يلوم المدمنين ويعاملهم كمجرمين، دون النظر إلى الأسباب الحقيقية التي دفعتهم إلى هذه الحالة.

في المقابل، الجهات الرسمية في حمص تعمل على محاربة الظاهرة، رغم التحديات الكبيرة. مديرية مكافحة المخدرات بالشراكة مع مديرية الصحة قامت بحملات ضبط محدودة، إلا أن الوصول إلى الشباب المنتشرين في الأحياء الشعبية يبقى صعباً. ومن بين الخطط الحكومية، إنشاء مراكز علاج وتأهيل لتقديم الدعم النفسي والإرشاد، بالتعاون مع منظمات دولية، لتقليل فرص الانزلاق في الإدمان وإعادة تأهيل المتضررين اجتماعياً ونفسياً.

الخبير الاجتماعي حيدر السلامة يؤكد أن الحل لا يقتصر على الإجراءات الأمنية والقانونية، بل يشمل تغيير الثقافة المجتمعية: “يجب أن ندرك أن المدمن ليس مجرد مشكلة قانونية، بل إنسان يحتاج إلى فهم ودعم. المدارس، الإعلام، والمنظمات المدنية يمكن أن تلعب دوراً مهماً في التوعية ومنع الانحدار الاجتماعي الناجم عن تعاطي المخدرات”.

يعكس مشهد المخدرات في حمص صورة أكبر لمجتمع يعاني من صدمات متراكمة، ويبحث عن مهرب ولو مؤقت، بين الحشيش والحبوب والخيبات اليومية. ومع التحديات الاقتصادية والاجتماعية والنفسية، يبقى السؤال الأكبر: كيف يمكن للمجتمع والسلطات حماية الشباب وتأمين مستقبلاً بعيداً عن الإدمان، قبل أن تصبح المخدرات جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية في المدينة؟

- Advertisement -

- Advertisement -