دمشق
تحت طبقات من الركام والتراب في عمق الأرض السورية، تُكتب فصول جديدة من المأساة التي لم تنتهِ بعد. فخلال السنوات الأخيرة، بدأت فرق محلية ومنظمات إنسانية بالكشف عن مقابر جماعية تضم رفات بشرية في مناطق كانت سابقاً نقاطاً عسكرية أو ساحات اشتباك بين أطراف النزاع. هذه الاكتشافات، التي تتكرر في أكثر من محافظة، تفتح جرحاً قديماً لم يلتئم بعد، جرح المفقودين والمجهولين الذين غابوا في أتون الحرب، وتركوا وراءهم عائلات تبحث عن أثر أو خبر أو بقايا جسد تؤكد لهم أن سنوات الانتظار لم تذهب سدى.
الحديث عن المقابر الجماعية في سوريا لا يقتصر على موقع بعينه، فخريطة البلاد اليوم تحمل بصمات الحرب في كل زاوية. من ريف دمشق إلى حلب ودير الزور والرقة وحمص، تتوالى الروايات عن العثور على مقابر تضم عشرات أو مئات الجثث، بعضها لمدنيين فقدوا أثناء موجات القتال أو حملات الاعتقال، وبعضها لمقاتلين سقطوا في المعارك ودفنوا على عجل وسط ظروف الفوضى وانعدام الأمان. كثير من هذه المواقع تقع قرب سجون سابقة أو ثكنات عسكرية أو مقار لتنظيمات مسلحة، ما يزيد من تعقيد عملية التوثيق والتعرف على الضحايا. وفي معظم الحالات، لا توجد جهة رسمية تتبنى مسؤولية فتح هذه الملفات الحساسة، بل تبقى الجهود مقتصرة على مبادرات محلية محدودة، تعمل بإمكانات بسيطة وتحت ظروف أمنية بالغة الصعوبة.
المقابر المكتشفة حديثاً ليست مجرد رفات صامتة، بل شواهد على مرحلة طويلة من العنف والانتهاكات التي عصفت بالبلاد. فهي تروي حكايات أناس اختفوا فجأة، دون أن يُعرف مصيرهم، تاركين وراءهم علامات استفهام لا تنتهي. عائلات بأكملها ما زالت تبحث منذ سنوات عن أبنائها المفقودين، تتنقل بين الجهات الرسمية والمستشفيات والمعتقلات دون جدوى، فيما يبقى الأمل معلّقاً على معلومة أو دليل صغير قد يقود إلى الحقيقة. بالنسبة لهذه الأسر، كل مقبرة تُكتشف قد تكون فرصة مؤلمة لكنها ضرورية لمعرفة المصير، فحتى الوداع يحتاج إلى يقين.
إحدى المعضلات الكبرى في هذا الملف هي غياب آلية وطنية شاملة للتعامل مع المقابر الجماعية. فبينما تُعتبر هذه المهمة في الدول الخارجة من النزاعات مسؤولية مباشرة للدولة بالتعاون مع المنظمات الدولية، فإن المشهد السوري ما زال يفتقر إلى إطار قانوني ومؤسسي يُنظم عمليات البحث، والحفر، والتوثيق، وحفظ الأدلة. ما يجري اليوم هو جهود متناثرة، يقوم بها أحياناً متطوعون أو منظمات محلية صغيرة، تحاول بوسائل بدائية جمع ما يمكن من الأدلة قبل أن تطمسها الطبيعة أو يعبث بها الزمن. هذه الفوضى في التعامل مع الرفات تهدد بفقدان فرص التعرف على هوية الضحايا، وتحرم ذويهم من حقهم في الحقيقة والعدالة.
من الناحية الإنسانية، تمثل المقابر الجماعية أحد أكثر الملفات إيلاماً في الذاكرة السورية الحديثة. فعدد المفقودين والمختفين قسراً يُقدّر بعشرات الآلاف، وربما أكثر، بحسب منظمات حقوقية محلية ودولية. كثير من هؤلاء اختفوا في ظروف غامضة، سواء خلال العمليات العسكرية أو في مراكز الاحتجاز، وبعضهم لم يُعثر له على أثر حتى اليوم. اكتشاف المقابر يعيد فتح هذا الجرح ويجدد الأسئلة حول المسؤوليات والمحاسبة، ويذكّر بأن الحرب، رغم انحسارها في بعض المناطق، لم تضع أوزارها بعد من الناحية الإنسانية.
تثير هذه الاكتشافات أيضاً قضية العدالة الانتقالية التي يجب أن ترافق أي عملية سلام أو تسوية سياسية. فالمصالحة الحقيقية لا يمكن أن تقوم فوق أنقاض الحقيقة أو في ظل إنكار للضحايا. إن التعرف على هوية المدفونين، وتوثيق أسباب الوفاة، وتحديد الجهات المسؤولة عن الانتهاكات، هي خطوات ضرورية ليس فقط لإراحة ذوي الضحايا، بل أيضاً لتثبيت أسس العدالة والمساءلة التي تمنع تكرار المأساة. وفي هذا السياق، تطالب منظمات حقوق الإنسان بضرورة إشراف دولي مستقل على عمليات استخراج الرفات، واستخدام تقنيات الطب الشرعي الحديث لحفظ الأدلة وفق المعايير الدولية، تمهيداً لأي محاكمات مستقبلية يمكن أن تفتح هذا الملف المعقد.
لكن ما يعقّد هذا المسار هو المشهد الميداني والسياسي المنقسم، إذ تخضع المناطق التي يتم فيها اكتشاف المقابر لسيطرة أطراف مختلفة، بعضها لا يسمح بدخول المنظمات الدولية أو فرق التحقيق المستقلة. وفي كثير من الأحيان، تتحول المقابر الجماعية إلى ملف حساس تستخدمه الأطراف المتنازعة في حرب الروايات، حيث يسعى كل طرف إلى توظيف الاكتشافات لإثبات مسؤولية الآخر أو تبرئة نفسه. هذه التسييسات تزيد من تعقيد جهود التوثيق، وتُضعف ثقة الأهالي بأي تحقيق يمكن أن يجري في المستقبل.
ورغم هذه التحديات، لا تزال هناك جهود فردية ومحلية تحاول كسر الصمت. متطوعون من المجتمع المدني، وناشطون سابقون، وحتى بعض الأهالي أنفسهم، يغامرون بالدخول إلى مواقع الخطر لجمع الأدلة أو تصوير المقابر قبل طمسها. هؤلاء يرون أن واجبهم الأخلاقي يحتم عليهم توثيق الحقيقة ولو بأبسط الإمكانات، لأن الذاكرة الوطنية لا يجب أن تُدفن مع أصحابها. في المقابل، يطالب حقوقيون بضرورة إنشاء قاعدة بيانات وطنية للمفقودين، تشمل عينات الحمض النووي من ذويهم، لتسهيل عملية المطابقة والتعرف على الهويات لاحقاً، وهي فكرة طبّقتها دول أخرى شهدت حروباً مشابهة مثل البوسنة والعراق، وحققت نتائج مهمة في إعادة بعض الحقوق المعنوية للأسر.
في ظل غياب العدالة الفعلية، تبقى المقابر الجماعية شاهداً صامتاً على سنوات من الألم. كل رفات يُنتشل من تحت الأرض هو قصة إنسان لم يُمنح فرصة الوداع، ومرآة تعكس حجم العنف الذي اجتاح البلاد. كثير من العائلات السورية اليوم لم تعد تبحث عن أمل بالعودة أو النجاة، بل عن حق بسيط في المعرفة، عن قبر معلوم يزورونه في الأعياد، عن اسم يُكتب على شاهد بدلاً من أن يبقى في قوائم “المفقودين”. هذه الحاجات البسيطة تكشف أن ما فقدته سوريا في حربها لم يكن فقط البشر، بل أيضاً المعنى الإنساني للعدالة والرحمة.
ربما تمر سنوات قبل أن تُفتح جميع هذه الملفات، وربما تبقى بعض المقابر بلا أسماء، لكن الذاكرة الجمعية للسوريين لن تنسى. فكل اكتشاف جديد يعيد طرح السؤال الجوهري: كيف يمكن لمجتمع مزقته الحرب أن ينهض دون مواجهة ماضيه؟ الإجابة لا تأتي من السياسة وحدها، بل من إرادة وطنية حقيقية لإعادة الكرامة لمن فقدوا حياتهم ظلماً، ولمن ينتظرون منذ سنوات أن يسمعوا خبراً عن أحبائهم. إن نبش الأرض بحثاً عن الرفات ليس مجرد عمل جنائي أو تقني، بل فعل أخلاقي يهدف إلى ترميم ما تبقى من إنسانية في بلد أنهكته المآسي. فالمقابر الجماعية، رغم صمتها، تظل تنطق بالحقيقة التي يحاول كثيرون دفنها، وتذكر الجميع بأن السلام لا يُبنى فوق النسيان، وأن العدالة، مهما تأخرت، تبقى الطريق الوحيد لشفاء وطن غارق في الحداد.