لكل السوريين

الغلاء الفاحش يطال الكتب المدرسية في اللاذقية ويثقل كاهل الأهالي

اللاذقية/ سلاف العلي

يعيش أولياء الأمور في محافظة اللاذقية معاناة جديدة مع بداية العام الدراسي 2025–2026، بعدما طالت موجة الغلاء الفاحش أسعار الكتب المدرسية التي تجاوزت بكثير الأسعار الرسمية في المستودعات، وسط غياب شبه تام للرقابة واستغلال واضح من قبل بعض المكتبات التي تبيع الكتب بأسعار مضاعفة، رغم منع بيعها خارج المستودعات التابعة لمديرية التربية.

فقد بلغ سعر كتاب اللغة العربية للصف الأول الابتدائي 29 ألف ليرة، وكتاب التاريخ للصف التاسع الإعدادي 30 ألف ليرة، فيما وصلت أسعار الكتب العلمية مثل الفيزياء والرياضيات إلى 50 ألف ليرة للكتاب الواحد. وعلى الرغم من ارتفاع الأسعار، فإن عملية التوزيع هذا العام وُصفت بأنها غير عادلة وغير كافية، حيث تم توزيع عدد كبير من الكتب القديمة والمتهالكة، ما اضطر الأهالي إلى شراء نسخ تالفة أو مفقودة من السوق، في ظل عجز المدارس عن تأمين كتب جديدة صالحة للاستخدام.

الكتب المستعملة، بحسب شكاوى أولياء الأمور، لا تخدم العملية التعليمية، إذ تحتوي على حلول وتمارين جاهزة وملاحظات سابقة، مما يحدّ من تفاعل الطالب مع المادة الدراسية ويقلل من حماسه للتعلم.

وفي ظاهرة وُصفت بـ“الغريبة”، وزعت بعض المدارس المناهج الجديدة غير المطبوعة على شكل ملفات إلكترونية، ما أجبر أولياء الأمور على تحمّل تكاليف طباعتها بأنفسهم، لتصل تكلفة طباعة كتاب الجغرافيا للصف التاسع إلى نحو 65 ألف ليرة في بعض المكتبات، ما ألغى عملياً فكرة التعليم المجاني التي تقوم عليها المدارس الحكومية.

ومع كل عام دراسي جديد، تزداد معاناة العائلات السورية في تأمين احتياجات أبنائها الدراسية، فارتفاع أسعار الملابس المدرسية، والحقائب، والقرطاسية، والمواصلات، جعل من التعليم المجاني عبئاً ثقيلاً على الأسر التي تكافح لتأمين قوت يومها.

وتشير البيانات المتوفرة إلى أن أسعار الكتب المدرسية سجلت قفزات غير مسبوقة مقارنة بالعام الماضي. فعلى سبيل المثال، ارتفع سعر مجموعة كتب الصف الأول الابتدائي من 95 ألف ليرة إلى 210 آلاف ليرة، وفي بعض المستودعات إلى 215 ألف ليرة، أي بنسبة زيادة تراوحت بين 116% و125%. أما الصف الثالث الابتدائي، فقد ارتفعت كتبه من 122,900 إلى 220,800 ليرة، بزيادة تقارب 80%.

كما تراوح سعر كتب الصف السابع الإعدادي بين 292,600 و296 ألف ليرة مقارنة بـ 188,700 ليرة العام الماضي، أي بزيادة تجاوزت 55%، بينما ارتفع سعر كتب الصف الثامن من 195 ألفاً إلى 231 ألفاً، وفي بعض المستودعات إلى 321 ألف ليرة، بزيادة تفوق 64%. أما كتب الصف الحادي عشر العلمي فتتراوح أسعارها بين 176 و183 ألف ليرة، وكتب الفرع الأدبي بين 137 و157 ألف ليرة.

ولم تقتصر الفوضى على الأسعار، بل شملت غياب التوحيد بين المستودعات، إذ تباع كتب البكالوريا العلمي بسعر يتراوح بين 190 و215 ألف ليرة حسب المستودع والمنطقة، ما يعكس غياب الرقابة والشفافية في التسعير.

 

ويرى خبراء تربويون أن ارتفاع الأسعار لا يهدد فقط ميزانية الأسر، بل يمس جوهر العملية التعليمية، إذ يؤدي إلى حرمان عدد من الطلاب من الحصول على الكتب الأساسية، ما يضعف فرصهم في التعلم ويقوّض مبدأ تكافؤ الفرص. ويضطر بعض الأهالي إلى شراء عدد محدود من الكتب أو الاعتماد على نسخ رقمية رديئة الجودة أو صور عبر الهواتف، مما يؤثر على التحصيل الدراسي ويزيد من احتمالات التسرب المدرسي بين الأطفال من الأسر محدودة الدخل.

وفي ظل واقع معيشي صعب، وأجور لا تتجاوز في معظمها المليون ليرة شهرياً، أصبحت أسعار الكتب المدرسية عبئاً حقيقياً على ميزانية الأسر السورية. فكل ارتفاع جديد في الأسعار يمثل ضغطاً مضاعفاً على دخل محدود أصلاً، ويضع الأسر في مواجهة صعبة بين التعليم والحاجات الأساسية الأخرى.

ويرى مراقبون أن الحل يكمن في إيجاد آلية عادلة تضمن وصول الكتب المدرسية لجميع الطلاب بأسعار رمزية أو مجاناً، من خلال دعم طباعة الكتب الجديدة وتخصيص موازنات مستقلة للمدارس لتغطية النقص، إلى جانب تشديد الرقابة على المستودعات والمكتبات التي تستغل حاجة الأهالي.

إن ما يجري في اللاذقية اليوم ليس مجرد أزمة كتب مدرسية، بل هو مؤشر خطير على عمق الأزمة الاقتصادية والتعليمية في البلاد، يستدعي تدخلاً عاجلاً من وزارة التربية والجهات الحكومية المعنية لضمان حق الأطفال في التعليم، وحماية الأسر من الانزلاق أكثر في دائرة العوز والحرمان.

- Advertisement -

- Advertisement -